في يوم الجمعة العظيمة… الصلوات عمت الكنائس بمختلف المناطق

إحتفل رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر، برتبة سجدة الصليب في يوم الجمعة العظيمة، في كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، عاونه فيها النائب العام للأبرشية المونسنيور جوزف مرهج، رئيس كهنة الكاتدرائية المونسنيور إغناطيوس الأسمر، الآباء داود أبو الحسن وبول مطر وجورج قليعاني، وشارك فيها لفيف من الكهنة والرهبان والراهبات، رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، ممثلو هيئات روحية واجتماعية ورعوية ومصلون ملأوا الكاتدرائية وباحاتها.

وبعد قراءة الأناجيل الأربعة، ألقى المطران مطر عظة، تحدث فيها عن “معنى الصليب والمصلوب”، وقال: “كم نبتغي ونتشوق أن نكون في مثل هذه اللحظة، منذ أكثر من ألفي سنة، على أقدام الصليب، مع مريم ويوحنا التلميذ الحبيب. هناك جرى تسلم وتسليم، إذ قال الرب يسوع ليوحنا: أيها التلميذ الحبيب هذه أمك. وقال يسوع لمريم: يا امرأة وهكذا كان يسميها امرأة. الامرأة هي الأساس في الدنيا بأسرها، يا امرأة هذه ابنك. فصارت مريم العذراء أما ليوحنا، وعبره أما لجميع الناس، وأما للكنيسة، وأما لكل واحد منا، تحرسنا الآن وفي ساعة موتنا. فنقول للرب: نحن أبناؤك نأتي إليك في هذا اليوم، لنرد لك بعض الجميل. أنت الذي قلت: ما من حب أعظم من هذا، أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه. وقد بذلت نفسك عنا، وقدمت جسدك ليصلب، ودمك ليهرق غسلا لخطايانا، وتكفيرا عن آثامنا وعن آثام الأرض كلها. نعم أيها الحبيب، صنعت كل هذا لأجل كل واحد منا”.

أضاف: “أيها الأخوة الأحباء، لقد خلقنا الله أولا، لا لأنه بحاجة إلينا. فهو الكمال كله. إنما خلقنا لكي نسعد به ونحبه كما هو أحبنا. خلقنا الله من أجلنا نحن، وبعد أن تركناه بآدم وحواء وبالتاريخ من رمته إلى رمته، وصنعنا الشرور واسودت قلوب الكثيرين منا، لم يترك جبلة يديه، بل أراد بمحبة كبرى منه تعالى، أن يرسل إلينا ابنه الوحيد ليردنا إلى طريق الحق وطريق المحبة وطريق السلام”.

وتابع: “علمنا الإنجيل المقدس، الذي أصبح دستورا في حياتنا، وبالرغم من كل ذلك قاموا عليه ورفضوه لحسابات خاصة، لمآرب ذاتية، لخوف من أي مجهول لإرادة ملك على الناس. كلهم كانوا مخطئين، فتعدوا عليه واتهموه زورا وقتلوه وصلبوه، وهو بقي ثابتا على محبته، لم يهرب من أمامهم، وهو الذي قال: أنا أعطي حياتي ولا أحد يأخذها مني. ولم يستقل من مسؤولياته من أمام الله الآب، بل جابه بالحب الأعزل، كل سلاح الآخرين وكل حساباتهم وكل ضغائنهم. صحيح أنه صلب ومات، لكن المحبة قاومت الموت، وصارت مالكة على الدنيا بأسرها. أمام صليب يسوع ننحني إجلالا، لأنه حمل المصلوب عليه، ذلك المصلوب الذي قال الله محبة، أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم. غسل أرجل تلاميذه وقال: لا خلاص للدنيا إلا بالمحبة والغفران”.

وأردف: “نحن اليوم يا إخوتي، أبناء الكنيسة، لا بل أبناء البشرية بأسرها، ننظر إلى المصلوب، الذي قال: إذا ما ارتفعت عن الأرض جذبت إلي كل أحد، ونقول له: يا ربي أنت الحقيقة، والناس هم الخاطئون، أنت الطريق والناس هم الضالون، أنت الحياة والناس هم القابعون في الموت. أعطنا من خلقك حقيقة وطريقا مستقيما وحياة لا لبس فيها، أعطنا أن نحبك وأن نقبل محبتك في حياتنا. عندئذ نذوق طعم الحياة والسلام والخلاص بربنا يسوع المسيح. الكنيسة اليوم يا إخوتي، تسألكم أن تثبتوا على محبة المسيح، أن تؤمنوا بهذه المحبة القادرة على كل شيء، وأن نمارس الغفران بعضنا اتجاه بعض، وأن نتمسك في عيالنا بمحبة أفرادها جميعا، أن نحافظ على أوطاننا كأنها عائلات لها قيمتها أمام الله وأمام الناس”.

وقال: “نحن في وطننا العزيز لبنان، الذي يمر بظروف صعبة وصعبة جدا، علينا أن نحبه ونضحي من أجله، وأن نكون متعاونين يدا بيد، ونطفئ النار التي كادت تحرق البلد، كما أحرقت كنيسة السيدة في باريس، والتي والحمد لله بقيت سالمة إلى حد ما، وستعود إلى القيامة من جديد”، مؤكدا أن “وطننا بحاجة لا إلى حسابات، اليوم، بل إلى تضامن ومحبة، والحساب يأتي بعد ذلك، عندما نصل إلى الضفة الأخرى من النجاة والخلاص”.

أضاف: “يا رب، ألهمنا كل خير، وألهمنا كل صلاح من أجل وطننا وعيالنا ومجتمعنا ومن أجل ذواتنا. أعطنا أن نهتدي إلى حبك كما علينا أن نعمل حتى نصل إلى طريق الخلاص، أنت رجاؤنا وحبنا الأول والآخر، صليبك علامة مصالحة تامة بين البشر وبيننا وبين الله أبينا. فلنتصالح مع الرب كل مع ضميره، كل مع ربه، حتى نعود نذوق طعم الفرح، ولا يبقى فينا إلا هذا الفرح وإلا هذا الحب مع الله”.

وتابع: “وإذا تصالحنا مع الله، نتصالح بعضنا مع بعض. هذه المصالحة أساسية. صليب المسيح صليب المصالحة، وخطيء كل من قال أن الصليب هو علامة قوة ضد الآخرين. صليب المسيح علامة انتصار مع كل الناس على الشرور كلها، على البغض والحقد والحسد والانقسام. صليب المسيح للناس جميعا، صليب المسيح دواء شاف لكل أمراضنا، لذلك فلنحمله بشرف وبفخر على رؤسنا قائلين: أنت علامة الظفر للانسانية كلها، أنت مجدد الكون، ونعطي فرصة جديدة للعالم بأسره، ليعرف طريق المحبة وطريق الخلاص”.

وختم “نشكرك يا رب من كل قلوبنا، ونسألك أن تزيدنا نعمة على نعمة، لنبقى أمينين على إيماننا ودعوتنا، وأنت معيننا من الآن وإلى أبد الآبدين. باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد…آمين”.

وإحتفلت الطوائف المسيحية، التي تتبع التقويم الغربي، برتبة دفن السيد المسيح، في قرى البقاع الشمالي، حيث أقيم قداس في كنيسة مار إليان في بلدة رأس بعلبك، ترأسه راعي أبرشية بعلبك الهرمل للروم الملكيين الكاثوليك المطران إلياس رحال، وساعده لفيف من الكهنة وخدمه جوقة رأس بعلبك، وحضره النائب السابق سعود روفايل، رئيس المجلس البلدي العميد دريد رحال، المخاتير وعدد كبير من المؤمنين.

وألقى المطران رحال عظة، توجه فيها ب”المعايدة للجميع”، وقال: “اليوم علق المسيح على خشبة، ليعطي الحياة، وهذا سر إيماننا بالصليب والدفن والقيامة، وهذا حقيقة، وليس فلكلورا”.

وإذ تمنى أن “نظل مجتمعين على الخير، وتكون قلوبنا صافية كي نستحق العيد”، اعتبر أن “من قلبه أسود لا يستحق العيد، والسيد المسيح ينقي قلوبنا لنستحق العيد”.

ودعا إلى “الوقوف بوجه الشر، لأن الحكومة تضمر الشر للمواطنين، وخاصة بالتلويح بالقرار الذي يتيح لها باقتطاع نسبة من راتب الموظفين والمتقاعدين”، معتبرا أن “هذا الشر بعينه، أن نحرم الموظفين من عيشهم، لتعيش الحكومة”.

وقال: “نحن لسنا ضد الحكومة، ولكننا ضد الفساد المستشري، والحكومة تعرف مكامنه، وتعرف كيف أن الأموال المسروقة، هي في جيوبهم وجيوب كل السياسيين في البلد، لذلك نسأل المسيح، بأن ينقي قلوب المسؤولين، ليعودوا إلى ضمائرهم، ويعملوا لصالح الشعب، ليؤمنوا له عيشة كريمة في وطنه، وتنقية القلوب والضمائر حتى نكون مستعدين لنقول: المسيح قام حقا قام”.

وأحيت الطوائف المسيحية، التي تتبع التقويم الغربي، في النبطية، الجمعة الحزينة، بإقامة رتبة دفن المسيح وزياحات.

ففي كنيسة سيدة الانتقال في مدينة النبطية، ترأس راعي أبرشية صيدا ودير القمر للروم الملكيين الكاثوليك المطران إيلي بشارة الحداد، رتبة دفن المسيح، عاونه فيها خوري الرعية الجديد الأب كامل إيليا والخوري السابق الأب نقولا درويش، في حضور ممثل النائب ياسين جابر ناجي جابر، ممثل النائب السابق عبد اللطيف الزين سعد الزين، ممثل النائب السابق عماد جابر محمد جابر، رئيس دائرة الرصد والاستطلاع في المديرية العامة في الأمن العام العقيد فوزي شمعون، رئيسة ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات في النبطية الأم كاميليا القزي وراهبات النبطية، وفد من حركة “أمل”، وفد من الحزب “السوري القومي الاجتماعي”، مختار حارة المسيحيين راشد متى، وجمع من الكؤمنين والفاعليات.

الحداد

وألقى المطران الحداد عظة، فقال: “أسبوع الآلام هو مسيرة كسر كبريائنا، واكتشاف حب الله الكريم والمجاني لنا، ولا فرق بين القيامة والحب الأبدي، نسجد لآلامك أيها المسيح، نسجد لحبك، ونسجد لموتك، فأرنا قيامتك”.

ووجه الشكر “للجيش والدرك وللرعية وكاهني وفاعليات النبطية، الذين بحضورهم يعبرون عن محبتهم لرعية السيدة”.

وقال: “نحن هنا، صف واحد، لا فرق بين مسلم ومسيحي، ووجودكم على تنوع انتماءاتكم المذهبية والطائفية، يدل على ذلك. فرحي وافتخاري أن أكون معكم اليوم، في النبطية، لنفتتح جنائز السيد المسيح في الأبرشية، فلنصل من أجل بعضنا بعضا، ولنصل من أجل لبنان، الذي يحتاج أن يقوم من سباته، أن يقوم من موته”.

أضاف: “لا لموت لبنان، ولا لفساد لبنان. إن لبنان ينوء بالفساد، نصلي اليوم لننقذ لبنان من الفساد، الذي يمكن أن يقع به من الإفلاس، من كل إحباط نشعر به في هذه الأيام. نقدم هذه الصلاة لتقوم قيامة لبنان”.

ونوه ب”النبطية مدينة العيش المشترك الواحد، حيث يشارك المسلم المسيحي في أعياده ومناسباته، والمسيحي يشارك أخاه المسلم، ويفرح له بأعياده، وتلك هي قمة الوحدة الوطنية، التي تجسدها النبطية بمختلف أبنائها”.

درويش

وشكر الأب درويش “القوى الأمنية التي تجعلنا نشعر بالأمان والاستقرار في الأعياد والمناسبات، مع أن النبطية واحة سلام وأمان لكل أبنائها، وفيها لم نشعر يوما سوى أننا جزء من وحدتها الوطنية، ومن وحدة نسيجها المجتمعي. نحن واحد على تنوعنا الثقافي، الذي يغني ويثري هذه المدينة”.

أعقب ذلك، زياح وتطواف حول الكنيسة، وسط طقس عاصف وماطر ومثلج.

الكفور

وفي كنيسة سيدة النجاة في بلدة الكفور، ترأس خوري الرعية الأب يوسف سمعان، رتبة دفن المسيح، حضرها نائب رئيس البلدية طوني سمعان وأهالي البلدة، أعقبها زياح وتثبيت صليب كبير عند المدافن، ثم رتبة سجدة الصليب.

وتمنى سمعان من “الله ينبوع المحبة، أن تكون آلام السيد المسيح، عربون خلاص لكل اللبنانيين، ولكل المشرقيين، وعلامة سلام بين الشعوب، وأن تكون قيامة يسوع المسيح، قيامة للبنان الغالي المفدى”، شاكرا القوى الأمنية على “حضورها لتوفير الاستقرار للمصلين، وهي عودتنا على ذلك، وعلى الدفاع عن الوطن”.

وفي دير مار أنطونيوس في بلدة النبطية الفوقا، ترأس رئيس الدير الأب جان سليم رتبة الدفن، وكذلك خوري بلدة كفروة الأب نعمة الله ميلان.

كما ضاقت ارجاء كاتدرائية سيدة النجاة في زحلة بالمؤمنين الذين اتوا للمشاركة في رتبة جناز السيد المسيح الذي تراسها رئيس اساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك
المطران عصام يوحنا درويش بمعاونة لفيف الإكليروس، وبحضور قاضي التحقيق الأوب في جبل لبنان نقولا منصور، مدير عام وزارة الزراعة وأمين عام المجلس الأعلى للروم الكاثوليك المهندس لويس لحود، رئيس جهاز امن الدولة في البقاع العقيد بشارة حداد، نائب رئيس مجلس ادارة مؤسسة ايدال المهندس مرشد الحاج شاهين، الدكتور نادر صعب وعقيلته الإعلامية انابيلا هلال وعدد كبير من المؤمنين.
والقى المطران درويش عظة قال فيها :
” نشكر الله الذي جمعنا معكم في هذا النهار المقدس، في خدمة جناز المسيح. أحييكم جميعا وأحيي خصوصا القادمين للصلاة معنا من خارج منطقة البقاع، نصلي معكم ليبارك الرب عائلاتكم ويقدس نواياكم ومقاصدكم.
وضعت لنا الكنيسة رتبة جناز المسيح، لتؤكد لنا بأن المسيح لمحبته الكبيرة قَبِلَ الموت عن محبة وقد أسلم ذاته لأجل خلاصنا. في كل سنة نأخذ عبرة من هذا اليوم المقدس لنرى الأحداث الخلاصية بعين زمننا الحالي. هذه السنة تجد عائلاتنا صعوبات كثيرة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي ونتائجه السلبية على الأوضاع المعيشية. هذه الصلاة هي دعوة لنا لنتأمل بالمصلوب، لتستمد عائلاتنا منه القوة والعون.”
واضاف ” إن صليب المسيح هو قوة المؤمن وعلامة حب الله لكل واحد منا وهو الطريق الى الخلاص فبه ظهرت محبة الله وفيه أظهر رحمته للبشر “إني أحْيا في الإيمانِ بابنِ الله، الذي أحبَّني وبذَلَ نَفسَهُ عَنّي” (غلا2/20). وعندما تواجه عائلاتنا المحن والضيق عليها أن تنظر الى الصليب، فتجد من خلاله القوة والقدرة على تحمل أزماتها، كما تجد فيه رجاء جديدا كما يقول لنا بولس الرسول: “من يفصلنا عن محبة المسيح؟ الضيق، الشدة، الاضطهاد، الجوع، العري، الخطر، السيف؟ … في هذه كلها نحن غالبون بذاك الذي أحبنا” (روم8/35-37).
إذن العائلة لن تكون وحدها في مواجهة المصاعب، المسيح المصلوب عن العالم حاضر معها، يساندها ويقويها، لتتخطى أوضاعها الاقتصادية الصعبة. بحبه تتخطى العائلة آلامها وبنعمته يُضمِّدُ جراحها، وبموهبة روحه القدوس يوحدها.”
وتابع ” نحن أيها الأحباء، نعبرُ بواسطة المسيح الصليب إلى القيامة، إلى الحياة الجديدة، والحياة الجديدة هي هنا أولا على الأرض ومن ثمَّ هي في العالم الجديد والفصح الجديد، أي في عالم القيامة.
قال يسوع: “إن حبة الحنطة التي تقع في الأرض، إذا لم تمت لا تعطي ثمرًا؛ أما إذا ماتت فتعطي ثمرًا كثيرًا” (يو12/24). المسيح هو حبة الحنطة التي ماتت وأتت بثمر كثير (يو12/24).
المسيح هو المُسجّى في القبر وهو المحبة التي تتجسد فينا وهو الراعي الصالح الذي نحتفل به قائما من الموت.
لا تخافوا، يقول لنا يسوع المسيح، سنقوم نحن أيضا معه لنشاركه مجده في الملكوت، فله المجد والعزة والإكرام إلى دهر الداهرين. آمين” .

وترأس رئيس اساقفة طرابلس وسائر الشمال للروم الملكيين الكاثوليك المطران ادوار ضاهر رتبة دفن السيد المسيح، في كنيسة النبي ايليا في شكا، عاونه خادم الرعية الخوري باسيليوس غفري، والأبوان فادي منصور ويوحنا الحاج بطرس، بمشاركة رئيس بلدية شكا فرج الله كفوري، المختار عازار شليطا، وحشد من المؤمنين. خدمت الرتبة جوقتا شكا والبترون.

وبعد القراءات والزياح داخل الكنيسة وفي الشوارع المحيطة بها، ألقى ضاهر عظة قال فيها: “قبل مجيء السيد المسيح، كان الموت يعتبر علامة لغضب الله على الانسان، بل عقابا أنزله الله بالإنسان عندما عصا أمره في بدء الخليقة. موتا تموت، قال الرب لآدم، يوم تأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وكان أن أكل الانسان منها، فجر على نفسه وعلى ذريته غضب الله وعقاب الموت. وظل الانسان طيلة العهد القديم عائشا تحت حكم الموت وتحت حكم الهلاك: باب السماء موصد أمامه، وباب الخلاص مغلق في وجهه. إلى أن ظهر حب الله للعالم من جديد، فأرسل ابنه الوحيد الى العالم ليخلص به العالم. وجاء المسيح ليفدي الانسان من حكم الهلاك والموت، فأباد الموت بموته لكي يحيا الانسان من جديد”.

أضاف: “حياة الانسان هذه، ما هي إلا المصالحة مع الله والسير في طريق البر والخير والنعمة، واستعادة الكرامة من جديد، واسترداد الفردوس المفقود. فان كان موت المسيح أفاض الحياة للإنسان على هذه الصورة، فإني أتساءل معكم هذا المساء ونحن نحيي ذكرى موت المسيح، أنحن أمام نعش الموت أم نحن أمام عرش الحياة؟ لا مجال للشك أننا أمام عرش الفداء والحياة، عرش المحبة والنعمة، عرش البنوة والرجاء، فالمسيح كما حدد هو نفسه، هو حبة الحنطة التي ماتت فأتت بسنابل كثيرة، مات المسيح فأنبت لنا بموته سنابل الحياة، مات المسيح فغير معنى الموت وبدل أبعاده، فالموت لم يعد علامة غضب وحكم عقاب، بل أصبح جسرا نعبر به الى الحياة، وطريقا مضاء بأنوار الرجاء ومشرقا بضياء القيامة”.

وتابع: “إن كنا نريد الحياة، وأن نجني سنابل النعمة من موت المسيح، فإني أدعو نفسي وأدعو كل واحد منكم إلى الموت مع المسيح، لكي نحيا معه، المسيح رأسنا مات عن خطايانا، أنرى المسيح يموت بسبب خطيئتنا ونبقى في الخطيئة؟ علينا نحن الأعضاء أن نموت عن خطايانا. ومن منا يستطيع أن يقول إنه بلا خطيئة، علينا أن نموت عن أنانيتنا، عن محبة ذاتنا، عن جفاف رجائنا، عن عبادتنا للمال، عن كبريائنا، عن انحرافنا نحو المحرمات وعن كل نوع من المعاصي والخطايا المتأصلة فينا، لأننا إن لم نشترك بموته لن نشترك بثمار الحياة في قيامته. وأي جدوى أن نحتفل بذكرى موت المسيح إن لم تحرك ذكراه ارتداد قلبنا إليه، وإن كنا سنبقى على خطايانا التي كانت سبب موت المسيح. مات المسيح عن خطايا العالم فكان موته ثورة غيرت حياة العالم. فلنمت نحن معه عن خطايانا اليوم، وليكن موتنا ثورة تجدد حياتنا إلى الأفضل بحق موت المسيح اليوم، وحق قيامته بعد ثلاثة أيام”.

وختم شاكرا “كل الذين تعبوا في هذا الأسبوع بتحضير الإحتفالات الليترجية، ونباركهم ببركة الرب القائم من بين الأموات”.

وترأس رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان المطران ميشال قصارجي رتبة سجدة الصليب في كاتدرائية الملاك رافائيل في بعبدا- برازيليا، عاونه فيها النائب الأسقفي العام المونسنيور رفائيل طرابلسي والأبوان يوسف خالد وكرم شماشا، وخدمت الصلاة جوقة الكاتدرائية بقيادة الشماس عماد شمعون، في حضور أبناء الطائفة الكلدانية في لبنان وعراقيين لاجئين وأبناء الرعية ومؤمنين.

وألقى الأب ابراهيم سعد عظة تحدث خلالها عن “أهمية هذه الرتبة العظيمة” وما تمثله من “تضحيات في سبيل الله القدوس”.

ثم أقيم زياح الصليب، حيث سار المؤمنون وراء نعش المسيح ورنموا تراتيل الآلام.

و أحيت الطوائف المسيحية، التي تتبع التقويم الغربي مدينة صور ومنطقتها، رتبة دفن المسيح، في كنائس وأديرة المنطقة، تخللها إقامة زياحات درب الصليب في باحات الكنائس وسط قرع الأجراس.

ففي كنيسة سيدة البحار المارونية في مدينة صور، ترأس رئيس أساقفة صور للموارنة المطران شكرالله نبيل الحاج، رتبة سجدة الصليب، عاونه المونسنيور شربل عبد الله، في حضور حشد كبير من المؤمنين.

وألقى الحاج عظة، تناول فيها معاني المناسبة، وقال: “إن المسيح جاء ليخلصنا من الخطيئة ومن الشر، علينا أن نكون على درب المسيح، الذي سار لأجلنا، ومنحنا الحياة الأبدية. علينا أن نصلب مع المسيح الخطيئة، ومن اليوم، يجب أن نكون أحرارا، مسيحيين بكل للكلمة من معنى”.

وختم “ملك المسيح، فوق أي ملك آخر، لأنه ملك الحب والسلام والغفران والحقيقة”.

بعدها، أقيم زياح جاب حارات صور القديمة.

وفي كاتدرائية القديس توما، رأس متروبوليت صور للروم الملكيين الكاثوليك المطران ميخائيل أبرص، رتبة صلب ودفن السيد المسيح، عاونه عدد من الآباء، في حضور حشد من المؤمنين.

بعد الرتبة، أكد أبرص “أهمية القيمة في حياتنا، التي هي الحياة الأبدية”، وقال: “يجب أن نمشي على خطى السيد المسيح، الذي جاء للعالم مخلصا للبشرية، وعلينا أن نسير على درب الجلجلة، التي سار عليها لأجلنا، وأعطانا الحياة الأبدية”.

ثم أقيم زياح داخل الكاتدرائية وخارجها، وسط التراتيل وقرع الأجراس.

و أحيت كنائس الكورة التي تتبع التقويم الغربي، رتبة دفن المسيح، بقداديس عمت كنائس المنطقة، ففي كنيسة مارجرجس في بلدة برسا، ترأس الكاهن جوزيف عنداري الرتبة، في حضور حشد من المؤمنين، وألقى بعد قراءة الانجيل المقدس، عظة عرض فيها “لمسيرة صلب المسيح وعذاباته، ومعنى ذلك بالنسبة للمؤمنين”، داعيا الى “التمسك بإيمانهم والصلاة”.

وشارك كاهن رعية راسمسقا شربل كرم،المؤمنين في الزياح ورفع الصليب،الذي أقيم في كنيسة مار جرجس، تيمنا بصلب المسيح ومسيرته على طريق الجلجلة، داعياالى “التقوى ونبذ الاحقاد والتضحية، والتمثل بحياة المسيح والصعوبات التي واجهها”.

كما أحيت الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الغربي في منطقة بشري مناسبة الجمعة العظيمة، فعمت الزياحات والصلوات مختلف الكنائس، وسط تدابير أمنية اتخذها الجيش وقوى الامن الداخلي.

وترأس النائب البطريركي العام على الجبة المطران جوزيف نفاع رتبة دفن المسيح في كنيسة السيدة في حصرون، عاونه المونسينيور طوني جبران وكاهن الرعية الخوري انطونيوس جبارة، في حضور عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب جوزيف إسحق، رئيس البلدية جيرار السمعاني واعضاء المجلس البلدي والمخاتير وحشد كبير من ابناء البلدة.

والقى نفاع عظة قال فيها: “اجتماعنا اليوم بهذا العدد الكبير دليل على احساسنا بآلام السيد المسيح، وكل واحد منا يردد ضمنيا لو اننا كنا نعيش ذلك الزمن لما سمحنا لهم بتعذيبك وصلبك، وهذه عواطف نبيلة نختزنها في نفوسنا وكلنا رجاء ونحاول ان نشارك بوضع زهرة او وردة لنخفف من وطأة الحدث، لان الظلم لا يحتمل ونحن اللبنانيين ندرك تماما معنى الظلم وكل واحد مظلوم من الدولة، ومن أقرب الناس له، ومنذ سنوات نعيش هذا الظلم، لذا نأتي اليوم لنقول للرب: إرأف بنا وتطلع إلى وطننا وشاهد وجعنا، نحن الذين نشاركك حمل هذا الصليب وانت المدرك كل شيء”.

وتابع: “يسوع يوصينا بتحمل آلامنا والظلم اللاحق بنا كما تحمل هو العذاب، وعدم المشاركة في مثل هذا الظلم الذي لا يحتمل، فانتبهوا جيدا لأننا في كثير من الأوقات نمارس الظلم دون قصد، بكلمة او حديث بحق انسان او ببسمة فيها بعض الاستهزاء، وفي كثير من الأوقات، نتصرف دون أن ندرك كما تصرف اليهود الذين وضعوا المسامير في يدي يسوع”.

وختم: لنفحص ضميرنا ونسأل أنفسنا اذا كنا قد اسأنا او ظلمنا احدا لنستغفر منه، وعندها يكون رب المجد معنا ويعطينا القوة والنعمة”.

ثم شارك اسحق ورئيس البلدية مع المطران والكهنة في رتبة إنزال المصلوب وحمل نعش المسيح في تطواف داخل الكنيسة.

وبعد الصلاة تمنى اسحق “ان تزول الازمة الاقتصادية عن كاهل اللبنانيين وان تكون قيامة لبنان كالقيامة التي ادت اليها درب الجلجلة ويعود لبنان مزدهرا معافى كما نتمناه دائما”.

بشري

وفي كاتدرائية مار سابا في بشري، ترأس المونسينيور جوزيف الفخري، يعاونه الأب شربل مخلوف والأب ايلي برمو الكرملي، رتبة دفنة المسيح، في حضور حشد من المؤمنين.

وألقى مخلوف عظة فسر فيها معاني الصلب وكلمات المسيح الاخيرة على الصليب، وتحدث عن “البطاركة الموارنة الشهداء الذين تمثلوا بالمسيح بشهادتهم في ازمنة الاضطهاد”.

من بعدها انزل الآباء المصلوب عن الصليب ورفعوا الصلوات لراحة نفس البطريرك انطون عريضة باني الكاتدرائية، ولراحة انفس جميع كهنة بشري وأمواتها وشهدائها، وعن نية بناء كنيسة السيدة العذراء في باريس بحيث كانت قراءة على هذه النية من نبؤة النبي دانيال، قرأتها طالبة فرنسية.

حدشيت

وفي حدشيت، وبرعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، نظمت جماعة “حدشيت اكتيفيتيز” مسيرة درب الصليب تحت الأمطار والثلوج، من دير الصليب- حدشيت الى دير مار أنطونيوس البدواني، حيث كانت صلاة سجدة الصليب التي ترأسها الأب ميلاد كورة.

وأحيا المونسنيور نبيه معوض، رتبة دفن المسيح والجمعة العظيمة، في كاتدرائية مار مارون في طرابلس، وعاونه الخوري جوزيف فرح والأب راشد الشويري، بمشاركة حشد من المؤمنين.

وبعد القراءات المقدسة وتلاوة الاناجيل الاربعة، ألقى معوض عظة شدد فيها على “عمق سر الصليب” وقال: “صلواتنا أن يرتد الظالمون عن ظلمهم، ويعلموا أن المحبة هي السبيل الوحيد الى الانتصار”.

واستعاد معوض في مستهل العظة، عبارات للقديس رومانوس المرنم، وهو يشرح لسامعيه في القسطنطينية لاهوت الصليب، بحوار بين يسوع وامه البتول، وفيه: “لا تمرمري بالنوح يا أمي، يوم آلامي، فهذا اليوم بالذات نزلت انا الحلو من السماء كالمن، لا على جبل سيناء بل في حشاك فيه تكونت، كما تنبأ داود، حاولي أيتها الملكة أن تفهمي الجبل المدغل،أنا هو،اذ كوني الكلمة اتخذت منك جسدا، وبهذا الجسد أتألم به اخلص، لا تبك اذا يا أمي بل بالاحرى إهتفي: طوعا، تألم إبني وإلهي”.

أضاف: “وبذات اللاهوت نكتب كنيسة المسيح ليتورجيتها امام الرب المعلق على الصليب، والطالب المغفرة لطالبيه، نحن اليوم أمام نعش يسوع، وامام صليبه الخلاصي ننشد مديحا، نقف اليوم مع يوسف ونيقوديموس ومريم والنسوة، لنسكب عليه عبارات التأثر امام هول المحبة، نحن لا نبكيه بحزن بشري، لكننا نبكي تأثرا امام تلك المحبة الإلهية التي لم توفر شيئا إلا وسلكته، في سبيل خلاص البشرية”.

تابع: “نبكيه بدموع الفرحة التي يلتمع وميضها من وراء جنبات الصليب، نحن فيه نتأمل محبة الباري وصبر الخالق في سبيل خلاص خليقته، نحن لا ننظر اليه كمصلح اجتماعي ولا كبطل خارق، نحن ننظر اليه إلها عظيما بالمحبة وسيدا عليا بالاتضاع، لا نقيس محبته بمقدار الألم، لكننا نقيسها بقدر التنازل، فليفكر كل واحد منا أن الرب الإله، من أجله ومن اجل خلاصه قاسى صفعة واحدة، وهذه وحدها تكفي لتدل على تلك المحبة الالهية الدفاقة، (قد وافيت العالم لتنجي آدم، فهناك لم تجده يا سيدي، فانحدرت للجحيم تطلبه)”.

وقال: “هذا ما يختصر فعلا لاهوت هذا اليوم، يسوع، وهو المخلص، يسعى دوما في إثر خروفه الضال، آدم، فقد آدم الفردوس تيها وغرورا، فانحدر الإله الى الجبلة الترابية، الى الارض، ولان الموت تسيد جبلة آدم بعد الفساد، والجحيم أطبقت عليه، لم يأنف سيد آدم وريه أن يقاسي موتا ويطلب حبيبه من قعر جوف الجحيم، يا له حبا تسامى فوق مدارك الناس، ويا له تواضعا سما كل تواضع،أيها الإله الذي لمحبته للبشر، آثر حمل عود الصليب وهو المحمول على اكتاف السرافيم، يا جمر المحبة الثالوثية التي قطنت أحشاء العذراء وبها قدست جبلتنا، يا من لظى بمحبته حتى قلوب صالبيه ولم يأنف ان يذوق موت العبيد ليحرر جبلته، أعطنا ان نتذوق حلاوة العيش معك، وان نحظى دوما بعزاء حضورك الإلهي، أيتها المحبة التي ذابت شوقا الى لقيا الضال وآثرت الا ان ترصده في اعماق جحيم انانيته، إمسحي من قلوبنا انساننا العتيق لنقدر ان نتلمس فرح القيامة، أيها الناصري الذي اعتمر التواضيع واتشح بضعف طينتنا ما خلا الخطيئة، هيا افترش مغارة نفوسنا واطرد من جوانبها ترهل الازمنة واملأها بوميض الفضيلة، لنكون قياميين على مثالك، يا من افتقدت مسكنتنا من غابر الايام وحللت في مشرقنا، ضع فيه نفحة من روحك القدوس لتعم الطمأنينة قلوب الناس، ويكتسح رجاؤك كيانهم، أطفىء بغفرانك قلوبا إمتلكها غضب بشري واسكب بجبروت صمتك طبول القلاقل الثآئرة في شرقنا”.

وختم: “أيها الاله الذي مد يده على صليب المجد محبة وفداء، مد يدك وانزع من القلوب والصدور شهوة التكفير وغطرسة الاستكبار، وعلم الناس جميعا أن الارض بخيراتها، جديرة ان تكون فردوسهم الارضي وباكورة لفردوس سماوي يتذوقون فيها، ومن ههنا حلاوة العيش في ظل المحبة، مد يدك واستأصل من العقول إقصاء الغير، وسمر بقوة أناتك كل عنف وتطرف وتكفير وترهيب، ونسألك يا يسوع في يوم آلامك، أن ترد الاذى عن لبنان وان تظلله بنور قيامتك المجيدة،أنت معنا يا يسوع، وستكون أبدا معنا، كي نرتل لك وعلى جلجلة مجدك وصليب حياتنا:المسيح قام من بين الاموات ووطىء الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور”.

اترك تعليق