ماذا وراء جولة السفيرة الأميركية في لبنان؟

نادرة كانت تحركات السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد في الفترة الأخيرة. فإلى اهتمامها بالمشاريع الإنمائية المدعومة أميركياً – وهي المتخصصة في إدارة وتنظيم برامج الإغاثة الخارجية في مناطق النزاعات الدولية قبل تعيينها في بيروت – ظهرت في اليومين الماضيين متجوّلةً ما بين بعبدا وبسترس وعين التينة في مهمة وُصفت بأنها استثنائية وعاجلة، فهل هي التي بادرت اليها تلقائياً؟ أم انّ هناك مَن استدعاها؟
لا يخفى على كثير من المسؤولين والمتابعين للتحركات الديبلوماسية أنّ زيارات السفيرة الأميركية الى كل من وزارة الخارجية وقصر بعبدا باتت نادرة، إن لم تكن مقطوعة، في الفترة الأخيرة، في ظل المواقف المتشنّجة التي رصدتها سفارة بلادها لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل، فيما لم تغب عن الزيارات الدورية المعلنة أو غير المعلنة لرئيس الحكومة سعد الحريري بمعدل زيارتين في الشهر على الأقل.

منذ تشرين الأول من العام الماضي لم تبادر ريتشارد الى ايّ زيارة لعون وباسيل بمبادرة منها سوى في مهمة استثنائية فرض عليها القيام بها، او في حال استدعائها.

ولا تتجاهل المراجع الدبلوماسية الأسباب التي دفعت ريتشارد الى اعتماد هذا الأسلوب النادر مع هاتين المرجعيتين اللبنانيتين الرئاسية والدبلوماسية.

وهو أداء رصد بسهولة منذ أن قاطعت دعوة باسيل السفراء والديبلوماسيين من عرب وأجانب مطلع تشرين الأول الماضي الى جولة شملت محيط مطار بيروت الدولي وملعب نادي «العهد» في محيطه للتثبّت من عدم وجود صواريخ ايرانية او مصانع لها، حسب ما ادعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة نهاية ايلول الماضي.

وتُستثنى من هذه الملاحظات حالات استدعائها الى بعبدا ومنها في 4 كانون الأول الماضي بعد ايام على الحفريات التي بدأتها اسرائيل قبالة الاراضي اللبنانية الحدودية لبناء الجدار الإسمنتي على طول الخط الأزرق. وذلك بهدف ابلاغها موقف لبنان من هذه الترتيبات غير العادية وتحذير المسؤولين اللبنانيين من ايّ خطوة اسرائيلية من جانب واحد او بناء ايّ منشآت على ايّ شبر من الأراضي اللبنانية المتنازع عليها في كثير من النقاط الحدودية الثلاثة عشر العالقة على طول هذا الخط.

والى هذه الزيارة فقد اقتصرت زيارات ريتشارد لعون وباسيل على مرافقة معظم الوفود الأميركية العسكرية والديبلوماسية والمالية التي زارت لبنان منذ تلك الفترة.

وهي زيارات تندرج من باب الواجب الديبلوماسي كسفيرة لبلادها في بيروت. الى أن جاءت جولتها المفاجئة الأربعاء والخميس المنصرمين على عون وبري وباسيل، فكانت لافتة توقيتاً وشكلاً ومضموناً.

وزاد من اهميتها اعلان بعبدا رسمياً انّ رئيس الجمهورية سلّمها «افكارا تتعلق بآلية عمل يمكن اعتمادها لترسيم الحدود البحرية الجنوبية». فيما اكد بري موقفه «المماثل لرئيس الجمهورية». وتعبيراً عن موقف «موحّد بين اللبنانيين حول ترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخاصة».

وعمّا دفع ريتشارد الى هذه الجولة، وهل هي من باب المبادرة او العكس؟ تجيب المصادر الرسمية انّ عون هو الذي دعاها الى هذه الجولة التي استهلتها بزيارة باسيل قبل ان تزور رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، وذلك لإبلاغها التفاهم الذي تحقق في لقاء عون وبري والحريري ليل الإثنين – الثلثاء والذي شمل، الى ملف الموازنة، موضوع ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل، نظراً للحاجة الماسة الى موقف لبناني موحَّد ممّا يجري هناك.

وتفيد المعلومات انّ المشاورات ادّت الى تفاهم لبناني كان مفقوداً حتى الأمس القريب يقضي بطرح الترسيم الحدودي في البر والبحر سلة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، بعدما تراجع بري عن فكرة الفصل بين الأمرين والذي اعاق على ما يبدو الوصول الى موقف لبناني موحَّد.

كذلك وافق الجانب اللبناني على الطلب الاميركي المؤدي الى تشكيل لجنة رباعية تضم، الى لبنان، كلاً من الولايات المتحدة الاميركية والأمم المتحدة وإسرائيل للشروع في المناقشات المؤدّية الى التفاهم على هذه السلة.

وفي المعلومات ايضاً انّ رئيس الجمهورية تولّى صوغ الأفكار في ورقة شاملة ومتكاملة جالت بين الرؤساء الثلاثة قبل تسليمها في الصيغة النهائية الى ريتشارد، وذلك تجاوباً مع الحاجة الى مثل هذه الورقة التي ستؤدي الى فتح هذا الحوار الرباعي بغية طمأنة الشركات الدولية التي فازت بالتنقيب عن النفط والغاز في البلوكات الجنوبية وإنهاء التردّد الذي عبّرت عنه الشركتان الفرنسية والإيطالية (آني وتوتال) اللتين فضّلتا بدء التنقيب بعد التفاهم مع الجانب الإسرائيلي. فالجانب الروسي (نوفاتيك) هو الطرف الوحيد من ثلاثي الشركات المتعاونة لم يكن يعنيه التفاهم المسبق مع الإسرائيليين.

وتقول المصادر العليمة، إنّ التوصل الى مثل هذه الآلية التي توافق عليها المسؤولون اللبنانيون ستشكل دافعاً لزيارة قريبة يقوم بها الى بيروت نائب وزير الخارجية الأميركية السفير ديفيد ساترفيلد المكلف متابعة ملف ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، لإطلاق الآلية العملية الأولى من نوعها التي يمكن ان تقود الى التفاهم النهائي على الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، وتساهم بالتأكيد في تزخيم العمل في البلوكات النفطية من الجانب اللبناني وتقود ايضاً الى رسم التفاهمات المقبلة بين الجانبين لتقاسم هذه الثروة في حال ثبت ان الآبار اللبنانية والإسرائيلية المتجاورة واحدة.

والى تلك المرحلة ما على الجميع سوى إنتظار ما يمكن المرحلة المقبلة أن تحمله من مؤشرات نحو الحلحلة أو للتعثر؟

اترك تعليق