على وقع ما يشبه “حال الطوارىء” المالية والسياسية

فُتحتْ صفحة سياسية جديدة في لبنان تَتَكَرَّس غداً السبت بمعاودة مجلس الوزراء جلساته بعد نحو 40 يوماً من تعطيلها بفعل «حادثة البساتين» (عاليه) التي وقعتْ في 30 يونيو وسرعان ما أخذتْ الحكومة «رهينة» صراعٍ شرس انفجر على تخومها وتداخلتْ فيه اعتباراتُ تصفية الحسابات الداخلية مع خلفيات إقليمية لاحتْ من بعيد.

وجاء «الإفراج» عن الحكومة التي تجتمع عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر السبت بعد يومٍ ماراتوني تُوِّج بلقاء مُصارَحةٍ ومُصالحةٍ بين الطرفين المباشريْن في «حادثة البساتين» أي زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط والنائب طلال إرسلان (سقط اثنان من مرافقي وزيره صالح الغريب في اشتباك مع مناصرين للاشتراكي في بلدة البساتين) عُقد عصر اليوم في قصر بعبدا برعاية الرئيس اللبناني ميشال عون وحضور رئيسيْ البرلمان نبيه بري والحكومة سعد الحريري.

ولعب رئيس البرلمان دور «كاسحة الألغام» بما أتاح «تفكيك» الأزمة السياسية التي كادت أن توصل البلاد إلى «انفجارٍ» تتطاير شظاياه في أكثر من اتجاه، وفق مخارج على طريقة «لا غالب ولا مغلوب» رغم الانطباع بأن جنبلاط نَجَحَ في صدّ ما اعتبره مساراً أريد من خلاله عزْله وكسْره بخلفيات تتصل بتموْضعه الإقليمي وخَرج من هذا «الاختبار» بنقاط ثمينة، هو الذي جرت ضغوطٌ لـ «أخْذه» إلى المجلس العدلي عبر إصرارٍ كان جرى من إرسلان وفريق رئيس الجمهورية على إحالة «حادثة البساتين» عليه بعد التصويت على ذلك في مجلس الوزراء، الأمر الذي وَقَفَ بوجهه كل من الحريري وبري وحزب «القوات اللبنانية»، ليرسو الحلّ على فصْل عمل الحكومة عن المسار القضائي الذي سَلَكَ طريقه عبر المحكمة العسكرية ليُبنى المقتضى على ما ستخلص إليها تحقيقاتها، ومن دون أي إثارة لهذا الملف على طاولة الحكومة.

وتَرافَقَ مسارُ الحلّ «السحري» الذي أتى بعد «ساعاتٍ عصيبةٍ» ليل الخميس أوحتْ بأن المناخ الإيجابي الذي ساد نهار أمس «تَبخَّر» قبل أن يطلق بري «ديبلوماسية الليل» تحت عنوان «البلد لم يعد يحتمل» والتي أسفرت عن توفير مخْرج لـ «هبوط آمن» للجميع، مع أسئلةٍ كثيرة حول «الأسباب الموجِبة» لهذا الاختراق، بدءاً من «الرسالة» البارزة التي شكّلها بيان السفارة الأميركية في بيروت حيال أي استهداف لجنبلاط عبر المسار القضائي و«تسييسه»، وهو ما عَكَسَ طلائع تداعيات خارجية كبيرة ستترتّب على عدم سدّ «باب الريح» الذي بات يشكّله هذا الملف، وليس انتهاءً بحال «الهلع» من ارتداداتٍ مكلفة مالياً على التمادي في اللعب على حافة الهاوية.

وفي هذا السياق كان بارزاً أن «صلحة البساتين» واكبها ما يشبه «حال التأهب» المالي التي عبّر عنها لقاءان بارزان سَبَقا المصالحة، الأوّل ترأسه الحريري في السرايا الحكومية وحضره كل من وزير المال علي حسن خليل وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة، والثاني في القصر الجمهوري برئاسة عون وضمّ كلاً من رئيسي الحكومة والبرلمان ووزراء المال، شؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، الاقتصاد منصور بطيش، رئيس لجنة المال والموازنة البرلمانية ابراهيم كنعان، حاكم مصرف لبنان، رئيس جمعية المصارف سليم صفير، والمدير العام لرئاسة الجمهورية انطوان شقير.

واعتُبر هذان اللقاءان جزءاً من «المسْرح الخلْفي» الذي أمْلى نزول مختلف أطراف الصراع «عن الشجرة» وذلك في محاولةٍ لتوجيه إشارة إيجابية إلى الأسواق المالية الدولية ووكالاتِ التصنيف علّها تفرْمل ما تَرَدَّدَ عن اتجاهٍ لوكالة «ستاندرد اند بورز» لخفض تصنيف لبنان الإئتماني في تقريرها المرتقب في 23 الجاري، أو لتشكيل «شبكة أمان» تمتصّ أي «صدمة» قد يُحْدِثها خفْض التصنيف.

وبدا لافتاً أن الاجتماع المالي في «القصر» خلص إلى ما يشبه «خريطة طريق» وتعهدات برسم الخارج لاستكمال «المسار التأسيسي» الذي عبّرت عنه موازنة 2019 عبر خطوات إصلاحية تستوجب استقراراً سياسياً يشكل في الوقت نفسه ركيزة الثقة بما يلتزمه لبنان تجاه الدول المانِحة في مؤتمر «سيدر» الذي يفترض أن يبدأ تنفيذه في أقرب وقت.

وبعد الساعات الأربع التي تسمّرت فيها العيون على القصر الجمهوري، خرج الحريري، الذي يغادر بيروت السبت الى السعودية ومنها يتوجّه في زيارةٍ بالغة الأهمية إلى واشنطن، ليتلو بيانيْن الأول حول الاجتماع المالي وقال فيه: «تداول المجتمعون في الأوضاع المالية والاقتصادية السائدة، إن لجهة التوصيف الدقيق لها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة، أو الحلول المقترَحة لها وجوباً والتزاماً. وقد عبّر المجتمعون عن ارتياحهم للتطور الحاصل لجهة تنقية الأجواء السياسية والمصارحة والمصالحة والعودة لانتظام عمل المؤسسات، والتشديد على ضرورة الالتزام بالمحافظة على الاستقرار السياسي والحد من المشاكل».

وأضاف: «أكد المجتمعون التزامهم الواضح باستمرار الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة والاستقرار الائتماني. وتم الاتفاق على جملة من الخطوات الأساسية التي سيُعمل على تطبيقها في المرحلة المقبلة، والتي تساهم في تفعيل الاقتصاد وتعزيز وضع المالية العامة، والمباشرة بمناقشة تقرير (ماكنزي) والملاحظات المقدَّمة عليه من الاطراف كافة». ومن الخطوات الاساسية:
• إقرار موازنة 2020 في مواعيدها الدستورية، والالتزام بتطبيق دقيق لموازنة 2019، والإجراءات المقررة فيها وتوصيات لجنة المال.
• وضْع خطة تفصيلية للمباشرة باطلاق المشاريع الاستثمارية المقررة في مجلس النواب والبالغة 3.3 مليار دولار، بعد إقرار قانون تأمين الاستملاكات لها، إضافة الى مشاريع «سيدر».
• الالتزام بالتطبيق الكامل لخطة الكهرباء بمراحلها المختلفة وإقرار جملة القوانين الاصلاحية، لا سيما منها: المناقصات العامة، التهرب الضريبي، الجمارك، الإجراءات الضريبية، والتنسيق مع لجنة تحديث القوانين في المجلس النيابي.
• تفعيل عمل اللجان الوزارية، وخصوصاً في ما يتعلق بإنجاز إعادة هيكلة الدولة والتوصيف الوظيفي، واستكمال خطوات الإصلاح القضائي وتعزيز عمل التفتيش المركزي وأجهزة الرقابة، والتشدد في ضبط الهدر والفساد، والاسراع في انجاز المعاملات، وإعادة النظر بالمؤسسات غير المجدية وإلغاؤها وفقاً لما تقرر في القوانين السابقة».

ثم تلا الحريري بياناً حول اللقاء الخماسي، جاء فيه: «برعاية فخامة رئيس الجمهورية وحضور رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء، عقد اجتماع مصارحة ومصالحة بين وليد بك جنبلاط والأمير طلال ارسلان. واستنكر المجتمعون الحادثة المؤسفة التي وقعت في قبرشمون – البساتين في قضاء عاليه في 30 يونيو الماضي، والتي سقط نتيجتها ضحيتان وعدد من الجرحى، والتي باتت في عهدة القضاء العسكري الذي يتولى التحقيق في ظروفها وملابساتها، وذلك استناداً الى القوانين والانظمة المرعية الإجراء. وفي ضوء نتائج التحقيقات، يتخذ مجلس الوزراء القرار المناسب».

وبعدها، أعلن رئيس الحكومة عن عقد جلسة لمجلس الوزراء عند الحادية عشرة من قبل ظهر يوم غد السبت في قصر بعبدا، قائلا: «إن شاء الله بعد المصالحة التي حصلت اليوم، نبدأ صفحة جديدة لمصلحة البلد والمواطن».

وعند مغادرته قصر بعبدا، اكتفى الرئيس بري بالقول «إن ما حصل هو إنجاز»، فيما اعتبر جنبلاط رداً على سؤال بعد انتهاء اللقاء الخماسي إنه «مرتاح لأجواء اللقاء».

ولم تتأخّر مفاعيل «الانفراج» السياسي في الظهور في السواق المالية، إذا أفادت وكالة «رويترز» أن «السندات الدولارية اللبنانية تصعد وإصدار 2030 يرتفع إلى أعلى مستوى في أسبوع مع اجتماع القادة اللبنانيين لحل أزمة سياسية».

اترك تعليق