الراعي: أثبت السّياسيّون أنّهم خبراء في خلق العقد والتّعطيل وفي حلّها بعد خسائر ماليّةٍ واقتصاديّةٍ باهظة

????????????????????????????????????

شكر البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الله على ” تجاوزنا الاختبار الأخير الذي عشناه بمرارةٍ في حادثة قبرشمون التي عطّلت عمل الحكومة لمدّة ثلاثةٍ وأربعين يومًا، ووتّرت الأجواء السّياسيّة، وباعدت بين القلوب، وأثّرت سلبًا على الوضع الإقتصاديّ والماليّ”. راجياً أن يكون الاختبار الأخير”.
وأضاف خلال عظة الأحد: “إنّنا نشكر الله على اجتماع “المصارحة والمصالحة” وعلى اللّقاء الاقتصاديّ والماليّ، اللّذين انعقدا أوّل من أمس في قصر بعبدا، فكان الإفراج عن الحكومة المعطَّلة إذ عقدت جلستها أمس السّبت، فأثبت السّياسيّون اللّبنانيّون مرّةً أخرى أنّهم خبراء في خلق العقد والتّعطيل وفي حلّها وإعادة الحركة، ولكن بعد خسائر ماليّةٍ واقتصاديّةٍ باهظة تلحق بالدّولة والشّعب، نصلّي كي نشفى نهائيًّا من هذه العلّة مثل ذاك الأعمى- الأخرس.
وأردف قائلاً: يتبيّن من إنجيل اليوم، الذي سمعناه، أنّ النّاس نوعان: الأوّل، منفتحٌ يرى الخير في الآخرين، ويقرّ به. وينفتح على سرّ الله المتجلّي في يسوع المسيح وفي الإنسان الآخر، هذا النّوع من النّاس متمثّلٌ في ذاك الشّعب الطّيّب، المؤمن، الحرّ والمتجرّد من ذاته، الذي لمّا شاهد آية شفاء الأعمى– الأخرس، اندهش وآمن بيسوع ورأى فيه “ابن داود” الملكَ المنتظر”.
النّوع الثّاني من النّاس، متكبّرٌ، ممتلئٌ من ذاته، أنانيٌّ، لا يستطيع رؤية الخير عند الآخرين، ولا يقرّ بقيمتهم. هؤلاء لا يرون علامات حضور الله وتجلّياته في البشر، وقلوبهم مملوءةٌ كبرياءً وبغضًا، ويسعون إلى إلغاء الآخر المتميّز بأخلاقيّته وإمكانيّاته وقدراته، هذا النّوع من النّاس متمثّلٌ في الفرّيسيّين الذين رأوا في آية شفاء الأعمى- الأخرس عمل رئيس الشّياطين. فكان يسوع بالنسبة لهم رئيس الشياطين، “بعل زبول”.

هؤلاء خافوا من أن يكون يسوع الملكَ الآتي بحسب مفهومهم السّياسيّ. فخافوا على نفوذهم ومصالحهم الشّخصيّة. في الواقع، هكذا ظنّوه فاشتكوه عند الرّومان محتلّي أرضهم بأنّه يجعل من نفسه ملكًا، أمّا ملكهم فهو القيصر. وعندما صلبوه كُتبت فوق رأسه علّةُ قتله: “يسوع النّاصريّ ملك اليهود”.
وأضاف: “هذه بكلّ أسف حالُ رجال السّياسة الذين تنقصهم الرّوحانيّة والقيم الأخلاقيّة والإنسانيّة، والممتلئين من ذواتهم، ويضعون مصلحتهم الشّخصيّة فوق كلّ اعتبار. هنا تكمن منابع النّزاعات والخلافات والانقسامات والعداوات. لكنّنا لا نريد هنا أن ندين أحدًا، فهذا ليس من شأننا، لكنّنا ندعو إلى “الخروج من الذّات” كما يردّد قداسة البابا فرنسيس، والقيام بالخطوة الأولى نحو الآخر، والسّير معًا نحو فرح الحقيقة والخير العام.
وقال: “أجل ” كلُّ بيتٍ ينقسم على نفسه لا يثبت”. فكم نشاهد من عائلات، بكلّ أسف، تتفكّك، ويعيش أعضاؤها في بؤسٍ، ويتبدّد تراثها، ويذوق أولادها، ولاسيّما القاصرون منهم، مرارة خلاف الوالدَين وكسر الشّراكة الزّوجيّة؟
وكم من بلدات ومدن وقرى تتنافر وتعطّل المشاريع الإنمائيّة، وصولاً إلى إسقاط مجالسها البلديّة وهيئاتها الرّسميّة، بسبب الخلافات العائليّة والحزبيّة والسّياسيّة. وقد نبّهنا الرّبّ يسوع إلى أنّ :”كلَّ مدينةٍ تنقسم على نفسها لا تثبت”!
والدّولة اللّبنانيّة التي تعيش انشطاراً سياسيًّا مميتًا، ألا يتمّ فيها قول المسيح: “كلُّ مملكةٍ تنقسم على نفسها تخرب”؟ لقد بدأ الإنقسام في داخل الدّولة عندما لم يتمّ الإلتزام بالدّستور المعدَّل سنة 1990 بوثيقة الوفاق الوطنيّ، المعروفة باتّفاق الطّائف، لا نصًّا ولا روحًا، في مختلف الجوانب. بل ظهرَت ومورست مخالفاتٌ له متتاليةٌ وأعرافٌ متناقضةٌ، من دون أن تحصَّن بقوانين تعدّله وفقًا للأصول. وهكذا بات كلُّ فريق يفسّره كما يشاء ووفقًا لمصلحته. ولهذا السّبب فُتح الباب على مصراعيه أمام الخلافات والنّزاعات وتعطيل عمل المؤسّسات الدّستوريّة، عند كلّ استحقاق. وباتت السّياسة تتدخّل في الإدارة والقضاء والأجهزة الأمنيّة، فأفسدتها.
وبمناسبة عيد الأضحى قال: ” نعرب عن تهانينا القلبيّة وأخلص تمنّياتنا لإخوتنا المسلمين في لبنان والعالم، راجين أن يكون العيد موسمَ خيرٍ وبركات من الله العليّ، وكما أنعم الله علينا بلقاءَي القصر الجمهوري، السّياسيّ والماليّ، اللذين ولّدا الانفراج لدى اللّبنانيّين جميعًا، نصلّي إليه كي تُعقَد لقاءات “مصارحة ومصالحة” مماثلة تعمّ جميع الأفرقاء السّياسيّين، فيحقّقون فعليًّا الوحدة الوطنيّة، ويُثبتون للعالم أنّ لبنان هو حقًّا “مكان حوار الأديان والثقافات والحضارات”.

اترك تعليق