فرصة استعادة الجنسية ليست وقتا متاحا… الوزير باسيل: لا توطين يفرض علينا وينزع عنا إنساننا

كلمة الوزير جبران باسيل في مؤتمر الطاقة الإغترابية – واشنطن 20/9/2019

أصحاب المعالي،
سيداتي سادتي،

نجتمع اليوم في LDE المؤتمر الرابع للطاقات اللبنانية المنتشرة في أميركا الشمالية والخامس عشر في العالم، على أرض الأحلام، الأرض التي كانت ولا زالت تستقبل كل طالب علم وكل صاحب طموح، هذه الأرض التي لم تكن تسأل يوماً أحداً من أي لون هو أو من أي دين هو أو من أي وطن هو، إستقبلت الجميع ومنحتهم الفرص للنجاح. والنجاح صفة تترافق مع اللبناني، فهو صاحب جينات موروثة من أجداده الذين لم ينتظروا أبداً الصدفة أو الحظ ليطرق أبوابهم بل كانوا قبل شروق الشمس وبعد صلاة صغيرة، يتسلقون الجبال ويحفرون الصخر ليجعلوا منه تربة خصبة، أو كانوا يبحرون في مركب من صنع أيديهم ليلجوا أعماق المحيطات الكبيرة لإكتشاف أراضٍ جديدة وإحتضان حضارات واعدة.
هذا اللبناني حزم حقيبته وتحمل مخاطر السفر وصعوبة الغربة والبعد عن الأهل والأصدقاء، فوصل الى شواطىء أميركا، وحلَّ في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب وفي الوسط الأميريكي، وساهم بصعود صناعة السيارات في ديترويت، وفي إستخراج النفط في تكساس، وفي تطور الطب في كليفلند، وفي وصول ناسا ومعها الإنسانية الى القمر، وساهم في تكوين “السيليكون فالي” في كاليفورنيا، وفي ولادة الرابطة القلمية في بوسطن، فكان فكر جبران خليل جبران وشعر ايليا أبو ماضي، وأثبت أنه ناجح في كل مضمار وأنه المبدع والمفكر والخلاق.

يا أبناء اللبنانية،
أنتم اللبنانيون، التجار منكم والمهندسون والمقاولون والمدراء والأكاديميون والمصممون، أحببتم الولايات المتحدة كما لبنان، وإندمجتم في مجتمعها خير إندماج. فتحت أياديها لكم فحضنتكم وحضنتموها، وفرت لكم الفرص فإستغليتموها الى أقصى الحدود، حافظت لكم على عاداتكم اللبنانية وحقكم بإستعادة هويتكم فإستعيدوها، عشتم لبنانيين في الغربة وحولتموها الى وطن ثانٍ لكم، فحافظوا على بلدكم الأول وأحضنوه. فلبنانكم وطن مبارك ونحن نعيش فيه، ولو لم نكن كاملين، إنما نعيش تحت راية المثل العليا ولو لم تكن مكتملة.

اليوم دوركم كبير هنا ومساهمتكم واضحة في إزدهار أميركا، ولكن وطنكم الصغير يفتخر بكم، وهو يواجه التحديات على أبواب مئوية لبنان الكبير وبحاجة الى كل جهد للإنتقال الى مئويته الثانية.
دوركم كبير هنا ويجب أن يكون كبيراً في لبنان أيضاً، وأن تكونوا واثقين فيه غير متردّدين. حلمكم في أميركا لم يكن قصة خرافية من قصص “والت ديزني”، بل كان طريقاً شاقاً مليئاً بالأشواك وإستحقيتم أن تعلنوا في نهايته “لقد صنعنا مصيرنا”، وعلى لبنان أن يصنع مصيره من خلالكم وخلالنا. واللبنانية lebanity وهي رابطة إنتمائكم، تتطلب المحافظة عليها وهي تتطلب تصويتكم في الإنتخابات النيابية المقبلة وإستعادتكم لجنسيتكم، لكي تحافظ هي على مفهومها الحضاري. إلا أن فرصة إستعادة الجنسية ليست وقتاً متاحا الى ما لا نهاية، فالقانون كلفنا سنوات من النضال لإصداره وهو محدود في الزمان، وقلت لكم سابقاً أن لبنان بحاجة اليكم، فهل فكّرتم يوماً أنكم أنتم بحاجة اليه أيضاً؟؟؟
هل أنتم واعون أن مئات الآلاف من الغرباء يكافحون لإكتساب ما ليس حقهم؟ يسعون للحصول على الجنسية اللبنانية، ويستعملون اللبنانيين لذلك، وهم لن يحصلوا عليها لو مهما جاهدت وكالات دولية، ودفعت دول من ورائها بكل طاقاتها لتجعلنا نقبل أن يحل اللاجئون الفلسطينيون والنازحون السوريون مكانكم، بدلاء عن أصحاب الحق الشرعي والطبيعي! ولن نقبل مهما زادت الضغوطات ومهما إندسّ المندسّون! لن نقبل عنكم بديلاً! ولكن عليكم أن تُقدموا وتستعملوا حقكم وتحصّلوا الجنسية لكم ولأولادكم!

أيها اللبنانيون،
كلكم تعرفون المصاعب التي فرضتها الأزمة السورية علينا، فحربها تحمّل لبنان الكثير منها: أكثر من مليون ونصف مليون نازح على أراضيه وأكثر من ألف مخّيم عشوائي بين بلداته، وأكثر من ثلاثين مليار دولار خسارة في إقتصاده، ناهيك عن التطرف والإرهاب الذي إستطاع الجيش اللبناني واللبنانيون الإنتصار عليه. كل هذه العوامل أنهكت الإقتصاد اللبناني المتعب أساساً من السياسات الخاطئة والفساد، ودفعت المؤسسات العالمية لتخفيض تصنيفه الإئتماني، فلا يمكن لناتج محلي أن ينمو من دون وجود عامل محلي، ولا يمكن لإقتصاد بلدٍ واحدٍ أن يؤمن حياة شعبين، ولا يمكن لسوق عملٍ واحد، دفع آباءكم وأجدادكم للهجرة بسبب صغره، أن يتحمل عمّال دولتين؛ لذلك لا يمكن لهذا الواقع أن يستمر بعد عقدٍ واحدٍ الى عقدين، وعلى لبنان تطبيق العودة التدريجية للنازحين السوريين الى بلادهم، ولا يقنعنا أحد أن ظروف العودة لم تتحقق بعد، فهي تحققت، وإسألوا أردوغان عنها وعن الإتحاد الأوروبي إن لم تصدقوا، وأسألوا وزير داخلية ألمانيا عن صفة النازح عندما يعود الى بلده، وأسألوا الرئيس ترامب عن المكسيكيين وعن كل النازحين الى بلاده.

يا أبناء اللبنانية،
دوركم كبير كأميركيين متحدرين من أصول لبنانية، لحمل قضية لبنان في كل المحافل السياسية الأميريكية، وشرح حقيقة لبنان وأهميته، فهو لم يعتدِ يوماً على أحدٍ بل هو محبٌ للسلام ويريده. وهو قد قام بواجباته الإنسانية والأخلاقية والقانونية كاملة تجاه الشعبين الفلسطيني والسوري، واليوم أصبحت العودة ضرورية ولن نرضاها سوى آمنة وكريمة، ولن نرضى أن يبقى مواطنونا في الخارج فيما جيراننا هم في الداخل.

ودوركم هو أكبر في الإقتصاد، فكلما إستهلكتم ما هو لبناني تعززون صادراتنا وتحمون صناعاتنا وتخففون عجز ميزاننا التجاري. زوروا لبنان للسياحة والإستجمام، للعودة الى جذوركم والى مسقط رأس آبائكم، زوروه فتفهموا أكثر من أنتم، وتتوضح أكثر هويتكم. فمهما إغتربتم ومهما إندمجتم ومهما إبتعدتم، تبقى جيناتكم لبنانية وتبقى حماستكم مشرقية ويبقى في داخلكم فينيقي ركب الأمواج بحثاً عن الفرص. تذكروا رحلة آلاف السنين وكل المساهمات التي قدمها لبنان كهدية للإنسانية والتي تجعل منه البلد الحقيقي لتلاقي الحضارات ومركزاً طبيعياً للحوار الإنساني السلمي. عودوا الى أصولكم فمن لا أصل له ولا جذور تبقى حياته سطحية فارغة من عمق التاريخ وعبقه.
كونوا كأرز لبنان متجذرين في أرضكم ومتشبثين في إنتمائكم الى “اللبنانية” lebanity. وحده لبنان يجمعنا وهو فوق كل إنتماء آخر. فشعب من دون أرض يظل لاجئاً، وأرض من دون شعب تبقى مشاعاً. ها نحن نعايش مأساة الشعب الفلسطيني منذ أكثر من سبعين عاماً، ومأساة الشعب السوري منذ ثماني سنوات، ولا حل لهم ولنا إلا بعودتهم وعودتنا الى أوطاننا والجذور، جذورنا في اللبنانية المشرقية العربية.

أيها اللبنانيون،

لا توطين يفرض علينا وينزع عنا إنساننا، ولا صفقة عقارية تفرض علينا وتنتزع منا أرضنا، بل نحن نفرض حقنا بالحياة المشتركة والحرة على أرضنا، مندمجين إفرادياً أينما حللنا ودامجين إفرادياً من أردنا.
نحن عشاق سلام ورواد تنوع وطلاب إنفتاح. تاريخنا تسامح، حاضرنا تعايش ومستقبلنا تآخٍ، مسلمين ومسيحيين ويهود وآخرين، عشنا معاً لقرون، ونستطيع العيش معا لدهور لاحقة، إن توفرت لدينا إرادة العيش معاً وإبتعدنا عن الأحادية ورفض الآخر.
نحن صانعو إبداع ونجاح، تذكروا إن نسيتم أن حسن كامل الصباح ولد في النبطية جنوب لبنان سنة 1894، درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ودرّس في جامعة ماساشوستس في أمريكا، وإمتلك أكثر من أربعين براءة إختراع في الكهرباء. ومنذ أسبوع تمت إضافة أسماء مجد دهيني وحسن بدران وهادي زين الدين الى لائحة الشرف في موقع فايسبوك وهم في الواحدة والعشرين من العمر، يأتي هذا في وقت يسيطر فيه العالم الإفتراضي على العالم الواقعي. والتساؤل الذي يطرح نفسه، هل سيحرم هؤلاء الشباب من أن يحصلوا على فرص نجاحهم بسبب أسمائهم في ظل تصاعد التطرف والخوف من الآخر؟ وقد نسي كثيرون جملة قالها الرئيس فرانكلين روزفيلت: “لنتذكر، لنتذكر دائماً، جميعنا، أنت وأنا خاصةً، أننا متحدرون من أؤلائك المهاجرين والثوريين”.
نعم نحن ثوريون ولن نقبل بالظلم. هجرتم بلدكم بحثاً عن الحرية ولن نسكت نحن عن نقص في الحرية في بلدنا. لن نقبل أن يمنع عنا حرية الوجود في بلدنا من لجأتم اليه بحثاً عن الحرية في بلده. لن نقبل بالُظلم ضدنا، نحن الذين نعيش للتنوع لصالح من يعيش للأحادية.
نحن راكمنا الحضارات في أرضنا وصدّرنا التنّوع الى أراضي المعمورة، ولن نرضخ لأحادية دولة أو منظمة. مبدعونا عاشوا لبنان وشموا رائحة لبنان وتذوقوا طعم لبنان ورووا قصصاً وأحلاماً ما كانت لتكون وتكتب لولا ميزة وفرادة لبنان.
حافظوا على لبنان قبلة نجاح ووجهة زيارة وسياحة ومكاناً لفريضة صلاة وعبادة.
عيشوا اللبنانية وركّزوا على مفهوم جديد للبنان، أرضُ القداسة ومكان للحج لجميع الأديان، وبيئة رائعة للسياحة الدينية ومنتجع للتأمل في سياحة بيئية.
أما نحن فسنبقى نعمل لكل السياحات الجميلة في لبنان، والأفعال الصغيرة مجتمعة يمكن أن تحدث فرقاً فنحن لن ننتظر أو نستمع لأي كلام يستهلك وقتنا عبثاً أو يؤخر جهودنا، أتى من داخل الحدود أو خارجها، أتى بشكل إغراءات أو ضغوطات، بل سنستمر بالعمل من أجل منتشرينا بوجه كل الصعاب، وبناء الحجر تلو الحجر دون كلل، مستذكرين عظيماً من هذه الأمة، الرئيس جون ف كينيدي الذي قال:” عندما يبدو أن كل شيء يسير ضدك تذكر بأن الطائرة تقلع عكس الريح وليس معه”.
أهلي في الولايات المتحدة الأميركية وكندا،
أدعوكم لكي تكونوا معنا في تموز 2020 في LDE بيروت لنحتفل بالذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. لبنان محفور في عمق التاريخ البشري وسيبقى شعلةً مضاءة في مستقبل الإنسانية.
لبنان أحبكم وأنتم أحببتموه، ووجودكم هنا اليوم هو دليل محبة وإنتماء، أضربوا بجذوركم عميقاً في أرض لبنان لتزهروا عطاءً أينما حللتم، ولا تكونوا شوكةً، كما غيركم، في خاصرة من إستضافكم.
الوفاء والعطاء أنتم- الطاقة الإيجابية أنتم- أحلى صورة للبنان أنتم.
عشتم، عاشت اللبنانية وعاش لبنان.

اترك تعليق