لبنان يُطارِد “الدولار المفقود” ويمشي على “جمر” المنطقة

بدأتْ طلائعُ الانزلاق نحو المحظورِ المالي – الاقتصادي تُرْخي بثقلها على الواقع اللبناني من خلْف ظهْر كل العناوين السياسية المتشابكة مع «الغليان» في المنطقة وجبهاتها… المفتوحة.

ولم يكن عابراً أن تكون «العدسة» في لبنان مشدودةً إلى تَقَفّي «آثار الدولار» الأميركي في أسواقه كأحدِ أبرزِ تجلياتِ تَوَرُّمِ الأزمة المالية ومَلامح «فقدان السيطرة» على عوارضها الآخذة في التمدُّد بأكثر من اتجاه يشي بمضاعفاتٍ على مستوى «الأمن الاجتماعي».
ففي الوقت الذي كان يفترض أن تتركّز الأنظارُ على ما ستحمله مشاركةُ رئيس الجمهورية ميشال عون في أعمالِ الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك التي انتقل إليها أمس، كما على ترجماتِ الحِراكِ «فوق العادي» الذي قام به رئيس الحكومة سعد الحريري على خط باريس والرياض لتَدارُك شَبَح الانهيار المالي لبلادٍ تسير «فوق جمر» الإقليم المشتعل، حَبَستْ الأنفاسَ «أزمةُ الدولارِ» المفْقود من الأسواق منذ فترةٍ بسبب نقّص السيولة وشحّ التداول بـ«العملة الخضراء» بفعل تَمَسُّك مصرف لبنان المركزي باحتياطاته بالعملات الأجنبية و«سياسات التقنين» التي يعتمدها القطاع المصرفي، في واحدةٍ من مَظاهر الاختلال المالي الحادّ الذي يعانيه لبنان الواقع في «قبضة» المتاعب الناجمة عن «مثلث الرعب» المتمثّل في عجز المالية العامّة وارتفاع المديونية لأرقام قياسية والعجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات الذي سجّل في 2018 عجزاً هو الأعلى منذ الاستقلال (6 مليارات دولار).
ولم يَسْتَرِح «الويك أند» اللبناني من «مُطارَدَةِ» أحوال «العملة الصعبة» التي باتت «عملةً نادرة» في اقتصادٍ يحتاج إلى الدولار لتغطية كلفة استيرادٍ ضخمة تُقدّر (2019) بنحو 20 مليار دولار (مقابل نحو 3 مليارات دولار تصديراً)، وهو ما يرتبط بقطاعاتٍ حيوية مثل الوقود والأدوية وكل المستوردات الغذائية ولا سيما القمح.
وفيما كان إضراب محطات الوقود الأسبوع الماضي والمرشّح للتجدّد لـ«أيام» في الفترة المقبلة أوّل الظواهر وبـ»العين المجرّدة» لتداعياتِ «اختفاء» الدولار الذي لم تعد المحطات (تبيع بالليرة وتشتري بالدولار) تنجح في «القبض عليه» وإذا تمكّنت فـ«بسعر السوق» الخاضع للعرض والطلب، اتسعت لائحة القطاعات المرشّحة لأزماتٍ متدحرجة تطال يوميات اللبنانيين ما لم يتم ضخّ الدولار في الأسواق.
وإذا كان الاهتمام مُنْصَبّاً على رصد الارتدادات المحتملة لـ«القلّة» في الكتلة الدولارية على السلع الغذائية المستوردة وأسعارها التي بدأت ترتفع، أطلّت الأزمة من «محوريْن جديديْن»: الأول توقف شركة «كلاس لخدمات الاتصالات» عن قبض فواتير الهاتف ودفعها لشركتي «الفا» و«تاتش» (تديران قطاع الاتصالات لمصلحة الدولة اللبنانية) والتوقف عن بيع بطاقات التعبئة احتجاجاً على إصرار الشركتين على حصر التعامل معها بالدولار.
والثاني بدء بعض المصارف باعتماد خطواتٍ وقائية لتعزيز «صمود» السيولة لديها وتفادي استغلال البعض «الجوع» إلى الدولار للقيام بأعمال «تجارة عملة» مستفيدين من الفارق بين السعر «النظري» للعملة الخضراء المحدَّد بـ1507 ليرات وسعر السوق الذي بات هو الواقعي سواء لدى بعض الصرافين أو في السوق السوداء (نحو 1570). ومن هذه الخطوات خفْض سقف التحويلات من الليرة إلى الدولار، وعدم السماح بسحب الدولار من ماكينات الـATM لغير زبائن المصرف وغيرها من إجراءات تتّصل بضبط العمليات المصرفية «أونلاين».
ورأت أوساط سياسية أن هذه المؤشرات البالغة السلبية تضغط على كل المساعي الرامية إلى «تصفيح» الواقع المالي – الاقتصادي عبر الإسراع في تسييل مخصصات مؤتمر «سيدر 1» وجذْب دعْم خليجي بالودائع، وهي المساعي التي ترتبط ترجمتها بإصلاحاتٍ موجعة لا بد من وضعها على السكة في الأسابيع المقبلة كما بأداءٍ سياسي يعيد بعضاً من «التوازن» إلى الموقف الرسمي من أحداث المنطقة على قاعدة «النأي بالنفس»، الذي شكّل ركيزة في منظمة الدعم الدولية للبنان.
ولاحظت هذه الأوساط عبر «الراي» أنه في موازاة ملامح التركيز المتعمّد في معرض تحديد مسبّبات «أزمة الدولار» على عجز ميزان المدفوعات انطلاقاً من تَسَبُّب «سياحة اللبنانيين» في الوجهات القريية بتسرُّب كتلة وازنة من الدولارات، يتم إغفال جانب جوهري في الأزمة يتمثّل في عدم قدرة «بلاد الأرز» على جذب استثمارات وودائع جديدة وصولاً إلى تسجيلٍ غير مألوف لـ»هجرة ودائع» وذلك كأحد «الأثمان السياسية» الناجمة عن ربْط لبنان المستمرّ بسيناريواتِ الحرب المحتملة في المنطقة.
وعشية وصول وزير الخزانة الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب مارشال بيلينغسلي لبيروت ومعه ملف عقوبات مرشحة للتصاعد على «حزب الله»، أطلّ وزير الخارجية جبران باسيل مع مقابلة مع قناة «بي بي سي»، مؤكداً أن «حزب الله ليس منظمة إرهابية ولا يمكن اعتباره كذلك»، ولافتاً إلى أنه أبلغ موقف لبنان هذا لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال زيارته الأخيرة لبيروت.
وعندما قال له المُحاور إن واشنطن لا تنظر إلى باسيل كأنه «رَجلها في لبنان» أجاب: «ليس لي الشرف أن أكون رجل أحد في لبنان، أنا رجل لبنان، لست تابعاً لا لأميركا ولا لإيران ولا للسعودية، أنا وزير خارجية لبنان ولست تابعاً لأحد، ولهذا لدينا سياسة مستقلة تحافظ على مصالحنا وليس على مصالح غيرنا».

اترك تعليق