صاروخ “حزب الله” يربك النشاط التجسسي

تقدّم الاهتمام الاسرائيلي بنوعية الصاروخ الذي استخدمه حزب الله في استهداف طائرة «هرمس 450» فوق جنوب لبنان، بحسب رواية جيش العدو، على الاهتمام بأصل عملية الاستهداف. ويبدو أن ذلك يعود الى أن استخدام هذا النوع من السلاح انطوى على أكثر من دلالة ورسالة ازاء مستقبل النشاط الجوي الاسرائيلي في الاجواء اللبنانية.

ومع أن حزب الله لم يكشف نوعية «الاسلحة المناسبة» المستخدمة ضد الطائرة، كما ورد في بيان المقاومة الاسلامية، إلا أن اشارة السيد نصر الله كانت دلالتها بالغة في كونها ستقلق اسرائيل «كان يفترض (العدو) أن المقاومة لن تجرؤ على إستخدام هذا النوع الذي استخدم». يكشف هذا الموقف أن المقاومة ارادت ايضا ايصال رسالة محدّدة تتصل بنوعية السلاح فضلا عن أصل الاستهداف. ومن الواضح أن هذه الرسالة تركت أصداء مدوية في الواقع الاسرائيلي انعكست في تقارير المعلّقين المختصين.

وكشفت القراءات الاسرائيلية لـ«الاسلحة المناسبة» مخاوف المؤسسة الاسرائيلية بشقيها الأمني والسياسي. وعكست حضور ارادة حزب الله الجدية، في الوعي الاسرائيلي، لمواجهة «العدوان الجوي» المتواصل على مدار الساعة للاجواء اللبنانية. ومن ابرز المخاوف التي حضرت أن استخدام هذا النوع من الاسلحة يعني اتساع هامش المبادرة الدفاعية، لحزب الله في الرد والدفاع عن لبنان واجوائه. ويتلاءم هذا التقدير مع ما تداول به بعض أهم المعلقين العسكريين والسياسيين، الذين يبدو أنهم تلقوا معلومات و/ أو تقديرات من جهات رسمية، بأن حزب الله قد يكون «استخدم وسائل اكثر تطوراً». وتناولوا في هذا السياق مروحة من الاحتمالات حول نوعية الصاروخ المستخدم (سام 8 – سام 17…)، وهو ما كشف ايضا أن وسائل الاعلام الاسرائيلية لا تملك معلومات قاطعة في هذا المجال.

صحيح أن المستوى الرسمي الاسرائيلي لم يتناول حتى الان، بشكل مباشر، حادثة استهداف الطائرة الاسرائيلية، وهو أمر مفهوم بفعل خياراته الضيقة والمكلفة، واكتفى ببيان الناطق باسم الجيش، إلا أن المعلّقين العسكريين لعبوا الدور المفترض للمؤسسة الرسمية في تناول خطورة الحدث ودلالاته. ولمَّح بعضهم في هذا الاطار الى أن المجلس الوزاري المصغَّر بحث هذه الحادثة، الى جانب الوضع مع قطاع غزة، ومجمل الوضع على الجبهة الشمالية.

في اجواء التطورات التي يشهدها لبنان وغطَّت على كل ما عداها، وهو أمر مفهوم، بات من الضروري التذكير بأن سياسة التصدي ومواجهة طائرات الاستطلاع أتت في أعقاب قرار العدو تغيير المعادلة مع لبنان والانتقال الى مرحلة العدوان العملياتي مستغلا هامش الحرية التي يتمتع بها سلاح الجو الاسرائيلي. تُرجم ذلك حتى الان في اعتداء الضاحية في 25 اب الماضي، وأكده في أعقاب ذلك رئيس أركان الجيش افيف كوخافي الذي أجمل الوضع بالقول ان اسرائيل في ذروة تغيير المعادلة مع لبنان. وهو ما أقر به ايضا أحد أهم المعلقين في صحيفة «اسرائيل اليوم» (الموالية لنتنياهو)، يوآف ليمور، «في اسرائيل قدَّروا بأن حزب الله عازم على تحديد قواعد واضحة حول المسموح والممنوع بين إسرائيل وحزب الله، بعد أن تجاوزت الاعتداءات الإسرائيلية قواعد الاشتباك المعمول بها بين الطرفين منذ حرب لبنان الثانية».

الرسالة الاهم التي من الواضح أنها حضرت بقوة في الساحة الاسرائيلية عبر استخدام هذا النوع من الصواريخ، تتعلق بما «يشكل تغييرا في سياسة حزب الله»، بحسب معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل. وهذا المستجد «يلزم إسرائيل بإعادة تقييم سياسة استخدام القوة في المنطقة». وتجنباً لأي غموض أو التباس، حدّد الأمين العام لحزب الله في كلمته الاخيرة بأن الهدف الاعلى من اسقاط طائرات الاستطلاع أو إبعادها من الاجواء اللبنانية، «هو تنظيف الأجواء اللبنانية من الخروقات الإسرائيلية».

هذه المواقف معطوفة على الرسالة المصوّرة التي وزعها الاعلام الحربي في المقاومة الاسلامية وتردّدت أصداؤها في الاعلام الاسرائيلي، تمت ترجمتها في تل أبيب بشكل صريح وواضح بأن طائرات اسرائيل تحوّلت الى أهداف. وعنى ذلك ايضا في الساحة الاسرائيلية أن ما جرى هو محاولة من حزب الله لفرض معادلة جديدة لا تستند فقط الى قدرات فعالة، بحسب التقديرات الاسرائيلية، بل تستند ايضا الى منسوب مرتفع من شجاعة القرار لدى قيادة حزب الله، وهو أكثر ما تخشى منه اسرائيل، كونها تعني مزيداً من الارباك لتقديراتها ومخططاتها التي تستهدف المقاومة في لبنان.

الترجمة العملية الاهم للرسالة هي أن الخطر على طائرات الاستطلاع الاسرائيلية ارتفع بالقياس الى ما تعوّدت عليه في الساحة اللبنانية. وهو ما سيُقيّد حركتها بالتأكيد في الاجواء اللبنانية. ويفرض قيودا على نشاطها التجسسي. هذا المستجد يعني اسرائيلياً، في ضوء نوعية الاسلحة التي يستخدمها حزب الله، أن هناك امكانية معتبرة بأن تسقط طائرات متطورة، في مرحلة لاحقة. وبلغة الجيش وتقديراته يعني ذلك أن طائراته يمكن أن تتعرض لكمائن جوية.

على وقع هذه التقديرات والمخاوف، يصبح مفهوماً ما أورده المعلق العسكري في القناة (13) الون بن ديفيد الذي كشف حالة تخبط في المؤسسة الامنية الاسرائيلية، بحسب توصيفه، حول الخيارات المضادة في مواجهة استراتيجية حزب الله. لكن الأهم منذ التوصيف هو أنه ناتج عن تجاذب بين مصلحة اسرائيلية مُلحة لردع محاولة حزب الله منع اسرائيل من مواصلة نشاطها التجسسي في لبنان، وبين حرص اسرائيلي على تجنب تلقي رد مؤلم على أي محاولة تشكل تجاوزاً للمعادلات التي ثبتها حزب الله. هذه المعادلة المركبة من التوازن تفرض على جيش العدو منظومة كوابح تفرض عليه أن يكون أكثر دقة في ادائه العملاني من أي وقت مضى.

اترك تعليق