موسكو “ليست غافلة” عما يجري بلبنان.. بيروت هونغ كونغ ثانية؟

يظهر التباين واضحاً بين الموقفيْن الأميركي والروسي من التحركات الاحتجاجية الواسعة التي يشهدها لبنان والعراق. وإزاء التطورات اللبنانية، اتبع الأميركيون مساراً تصاعدياً. ففي أول تعليق لهم دعموا “حق الشعب اللبناني في التظاهر السلمي”. وما لبث الموقف الأميركي أن تطوّر تدريجياً، وصولاً إلى تشديد وزير الخارجية مايك بومبيو على ضرورة “مساعدة لبنان والعراق على التخلص من إيران” قبل يومين. في المقابل، تميّز الموقف الروسي بالثبات، فمنذ اندلاع الاحتجاجات اللبنانية والعراقية، يواصل المسؤولون الروس “ترقبّهم”.
في تقرير نشره موقع “المونيتور” الأميركي، لفتت المحللة الروسية ماريانا بيلينكايا فيه إلى أنّ المسؤولين الروس يترقبون ما يجري في البلديْن، مشددةً على أنّ لموسكو مبادئ معينة تحترمها في مقاربتها.
في ما يختص بلبنان، ذكّرت بيلينكايا باللقاء الذي جمع المبعوث الخاص للرئيس الروسي الى الشرق الأوسط ودول افريقيا، نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الثلاثاء الفائت بمستشار رئيس الجمهورية أمل ابو زيد، مشيرةً إلى أنّ الجانب الروسي شدد على دعمه سيادة لبنان واستقلاله ووحدته واستقراره، وأكّد موقفه الثابت والداعي الى حل كافة المسائل والقضايا الوطنية الحادة من قبل اللبنانيين أنفسهم وفي الإطار القانوني من خلال حوار شامل ومراعاة لمبادئ السلام والوفاق الوطني. وتابعت بأنّه تم التشديد أيضاً على “عدم السماح بأي تدخل خارجي في شؤون لبنان الداخلية وتطبيق السيناريوهات الجيوسياسية مع استغلال وتصعيد الصعوبات التي يواجهها لبنان الصديق”.
وبعيداً من بيان الخارجية الروسية، قالت بيلينكايا إنّ ردة فعل روسيا الرسمية جاءت “مقتضبة بعض الشيء”، لافتةً إلى أنّ المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، علّقت على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري عبر تكرار رسائل روسيا الأساسية المتعلقة بالحاجة إلى “تجاوز الأزمة” ودعت إلى إجراء حوار شامل وحثت “القوى الخارجية” على احترام “سيادة لبنان واستقاله” بشكل صريح.
توازياً، تناولت بيلينكايا تعليق رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الفدرالي، قسطنطين كوساشيف، ناقلة عنه اعتباره استقالة الحريري خطوة باتجاه تسوية الأزمة. كما تساءل كوساشيف عما سيحصل إذا تطوّرت التظاهرات السلمية و”اتسع نطاقها”، مذكراً ببيان الخارجية الأميركية الداعم لمطالب المحتجين ومحذراً من أنّ البعض يسعى إلى خلط الأوراق اللبنانية. كما استشهد كوساشيف بتصريحات الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله التي تحدّث فيها عن دور للسفارات الأجنبية، خالصاً إلى القول: “لننتظر رد المتظاهرين (على استقالة الحريري)، والكل يعرف كيف تبلور البديل، وهو السيناريو العنيف، في الدول المجاورة”.
وفي قراءتها للتصريحات الروسية، رأت بيلينكايا أنّ قاسماً مشتركاً يجمعها: في ما يتعلق بحل الأزمة، تعتبر موسكو مبدأ عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية اللبنانية أمراً أساسياً. وخوفاً من حصول اضطرابات في الداخل، تقيس السلطة الروسية الحاكمة أي نشاط احتجاجي يحصل في الخارج على نفسها.
وفي هذا الإطار، أوضحت بيلينكايا أنّ التظاهرات في هونغ كونغ ولبنان وحدها أثارت انتباه الروس في الأشهر الأخيرة، وذلك من بين تظاهرات أخرى كثيرة تهز العالم (العراق، تشيلي، الإكوادور، الأرجنتين…). وعلى مستوى الأسباب الكامنة وراء ذلك، قالت بيلينكايا إنّه يبدو أنّ الاحتجاجات في لبنان وهونغ كونع تتخذ طابعاً كارنفالياً، فهي ليست عنيفة بقدر احتجاجات العراق التي راح ضحيتها 250 شخصاً.
عراقياً، لفتت بيلينكايا إلى أنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يتطرق إلى مسألة الاحتجاجات خلال زيارته إلى بغداد، إذ علّق مرة واحدة عليها في 1 تشرين الثاني الفائت، أي بعد شهر على اندلاعها. وتابعت بأنّ بياناً صدر بعد لقاء بوغدانوف بالسفير العراقي إلى روسيا حيدر منصور هادي في موسكو جاء فيه أنّ “الجانب الروسي دعا الأطراف السياسيين في العراق إلى ضبط النفس”. كما عبّر الجانب الروسي في البيان عن دعمه الثابت للجهود الذي تبذلها القيادة العراقية لحل مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادي بأسرع ما يمكن.
بالعودة إلى لبنان، لفتت بيلينكايا إلى أنّ التصريحات الروسية صدرت بعد استقالة الحريري، “عندما قررت الحكومة اللبنانية وحدها ما تريد القيام به”، مبينةً أنّ روسيا دعت رعاياها الذين كانوا قد اتخذوا قرار السفر إلى لبنان إلى توخي الحذر خلال بقائهم في لبنان. وتابعت بيلينكايا بأنّ آلاف المواطنين الروس المتزوجين من لبنانيين يقيمون في لبنان، مشيرةً إلى أنّ الشركات الروسية تواصل العمل على الأرض والمئات يواصلون الخضوع لفتراتهم التدريبية وحضور دروس اللغة. في ما يختص بمستوى التعاون الروسي-العراقي، قالت بيلينكايا إنّه محدود بشكل كبير، مضيفةً بأنّ أولئك الذين يعملون في العراق اعتادوا على المخاطر المختلفة.
يُذكر أنّ بوغدانوف سيزور لبنان قريباً بعدما أدت الاحتجاجات إلى تأجيل زيارته التي كانت محددة في 4 و5 تشرين الثاني.

اترك تعليق