سقوط حكومة التكنوقراط

في الساعات الاخيرة، إختلفَ كلّ شيء. الرئيس سعد الحريري الذي كَشّرَ عن شارعه قبل ليلةٍ طمعًا بتأمين مكاسب اللحظات الاخيرة، خرَجَ من الغزوة على اقتناعٍ، بأنّه لم يعد رجل المرحلة، فسطّرَ كتاب اعتذاره وأذاعه مستودِعًا الله وشعبه العظيم بعباراتِ الودِّ والاحسان.

سريعًا، تلقّفَ قصر بعبدا “الكلام الحريري”، مع خروج تسريباتٍ، تفيد بـ”إخلاء سبيل” الاستشارات النيابيّة المُلزِمة في موعدٍ أقصاه الخميس، من دون تكبيد أي من المعنيين أثمان كفالات، لا مالية ولا سياسيّة.


وهكذا، يكون الحريري فعليًّا قد خرجَ من السرايا، من الاسم إلى رحابِ التسمية، بفعل أمر عمليات أوروبي، فرنسي بريطاني تحديدًا، اتضحَ، بأنّه غير متموضعٍ في خانة “الحريري أو لا أحد” بل “أي أحد إنقاذي”.

معلومات “ليبانون ديبايت”، تشير، إلى أنّ رئيس حكومة تصريف الأعمال تقدّمَ بلائحةٍ تضمّ أربعة أسماء رشّحهم إلى سدة الرئاسة الثالثة، وذلك بناءً على رغبة الثنائي الشيعي خلال اجتماعه بممثليه قبل ساعاتٍ، مع العلم أن مصادر محسوبة على بيت الوسط نفت وجود مثل هذه اللوائح.

وتتضمَّن اللائحة، حسبما سُرِّب، أسماء النائب فؤاد مخزومي، مستشار الحريري للشؤون الاقتصادية وليد علم الدين، مدير عام شركة “خطيب وعلمي” المهندس سمير الخطيب (وهو من المقربين الى الحريري)، بالاضافة إلى إسمٍ رابعٍ تكتّمت المصادر عنه، فيما رجحت أخرى متابعة لمدار الاتصالات، أن تكون الشخصيّة، إمّا العمّة النائب بهية الحريري، أو وزيرة الداخلية في حكومة تصريف الاعمال ريا الحسن.

وعُلِمَ، أنّ السيد اسامة بكداش قد اسقط اسمه من الاقتراحات بعد اعتذاره عن تولّي المهمة.

في الواقعِ، إنّ الثنائي الشيعي المتمثِّل بحزب الله وحركة امل، والتيار الوطني الحر يميلون أكثر إلى قبول تسمية الحريري لشخصية محسوبة عليه بشكل رئيسييّ، وذلك لاستحسان تأمين الغطاء السني ولاسيما “المستقبلي” منه، لاعتباراتٍ تتصل بالحرص على الشخصية المختارة وكي لا تصبح مرتهنة للشارع بل تكون فوق الضغط.

لكن في المقابل، ثمة من يعتبر أن القبول بتسمية تحمل هذه الجينات، ستصبح مقيدة لاحقًا بحكم وكالتها عن الحريري الذي لا بدّ وأن يتحول في مرحلة ما إلى رئيس حكومة ظل بوكالته السياسية عن من يسميه، لذلك قد يكون الخيار الأفضل من خلال طرح إسم آخر، ذات وزن، توافق عليه دار الفتوى ثم لقاء رؤساء الحكومات السنة، والحريري طبعاً.

وعليه، هناك من وضع إسم رئيس الحكومة الاسبق نجيب ميقاتي في المقدمة، على اعتبار، أنّ دار الفتوى لا تمانع وصوله في ظل ما يتمتع به من حضور واهلية بالإضافة الى أنّ الرؤساء السابقين للحكومة لا يُمانعون، لكن الخشية تبقى من إحتمال أن تتوارد إلى ذهن الحريري أفكار قابلة لتكرار مشهدية إحراق إسم الوزير السابق محمد الصفدي في الشارع.

لكن وعلى العموم وفي ظل الغموض القائم، ثمة حقيقة لا لبث فيها، مفادها، أنّ خيار تشكيل حكومة تكنوقراط صافية من دون ولا أي تمثيل سياسي قد سقط راهنًا لمصلحة حكومة تكنو -سياسية، تبدو ميالة أكثر صوب القبول بشهادة قوى داخلية ودعم دولي مصدره الرباعية (بريطانيا – فرنسا – إيطاليا – ألمانيا) المساهمة في بلورة الحل اللبناني.

وعلى نحو ذلك، يبقى السؤال الأهم، “لماذا إنقلبَ الرئيس الحريري على نفسه، أي من رجلٍ يحرص على تولي رئاسة الحكومة شخصيًّا إلى آخر يقبل تلزيمها إلى غيره؟”.

السرّ، على ما يبدو، يكمن في الموقف الفرنسي المعطوف اوروبيًّا على البريطاني والذي أبلغ في بيروت على شكل قبول بتسوية تولد حكومة “سياسية ملتزمة تؤمن الإنقاذ”، وهو الفعل الذي يظهر، أنّه اخرج الحريري من دائرة الضغوطات الاميركية، وأتاحَ له الركون الى الموقف الفرنسي لتحرير نفسه من الوضعية الحرجة التي تموضعَ فيها.

في المقابل، هناك رأيٌ آخرٌ يقول، بإدراك الحريري أنّ الغطاء الفرنسي الذي منح له بصلاحية كاملة عقب محنته في السعودية عام 2017 قد تهاوى بفعل مقتضيات المصلحة الفرنسية ضمن هذه المرحلة، وهو بالتالي، وجد أنّ أفضل خيار له حاليًا هو الانسحاب الى خارج قواعد اللعبة، أو ربما تأمين موطئ قدم يتيح له التحكم بأصولها وفصولها من الخارج.

وبخلاف الاميركيين الذين رفعوا الشروط أمام الحريري الى الدرجات القصوى تحت شعار “لا حكومة إلا تكنوقراط ولا تمثيلًا لحزب الله”، بدا الفرنسيون اكثر أريحية في التعامل مع الملف بدليل ما أبلغوه أوروبيًّا في قصر بعبدا وعين التينة والضاحية: “تسوية سياسية تأخذ التغييرات في الاعتبار”، وهذا ينطبق على كلام موفدهم الى بيروت الذي سُئِلَ من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون وحزب الله خلال اللقاء بمسؤول العلاقات الدولية، فيما لو أنّ باريس متمسكة بحكومة تكنوقراط يؤلفها الحريري شخصيًّا، فأتت الإجابة على وزن أنّ فرنسا “تؤيد تشكيل حكومة إنقاذية توالف بين التكنوقراطي والسياسي وتسهم في تدفق أموال سيدر”. وقد فهم المعنيون، أنّ باريس غير متشددة ازاء إسم الحريري فقط.

ثم أنّ الفرنسيين، الى جانب البريطانيين، وصلوا الى استنتاجٍ بعد 40 يومًا من عمر الازمة السياسية في لبنان، أنّ معادلة استبعاد حزب الله من التركيبة الحكومية من خلال التشديد على حكومة تكنوقراط يشكلها سعد الحريري فقط، وفق الرغبة الاميركية، أمرٌ سيرتب فوضى أمنية قد تؤدي في بلد هش مثل لبنان الى انزلاقه نحو نفقٍ مجهولٍ، لذلك أتى تحرّك الموفدَيْن الفرنسي والبريطاني تحت قاعدة، “منع الانهيار وتأمين حلٍّ سريعٍ”، وهذا الموقف، عبّر عنه الموفد البريطاني ريتشارد مور.

وفي إنتظار تبلور الصورة الكاملة في الساعات المقبلة بعد اجتماعٍ مرجحٍ أن يعقد بين الخليلين والرئيس سعد الحريري بهدف بلورة الأسماء وانتقاء صاحب اليد الطولى بالتوافق، تبقى الانظار شاخصة الى الشارع بصفته “البورصة السياسية” اليوم.

وحتى ذلك الحين، تبقى الايجابيات الجاري الحديث عنها معلقة على النوايا المعقودة على أهالي الحل والربط، وتبقى الخشية من “قطبةٍ صفديةٍ” مخفية قد تدخل الى المجالس لتطلق النار على اتفاقٍ قيد التوافق.

اترك تعليق