سطور من مذكرات الفرزلي المؤلمة والجارحة

لحّود الوحيد ربما بين الساسة في سوريا ولبنان الذي لم يضعف أمام إغراءات المال الحريري
– جنبلاط أو الحريري أو  حمادة أو هراوي أو  برّي أطاعوا النظام السوري من دون سؤال فهل تجرّأوا على الطلب من القيادة السوريّة نقل عنصر مخابرات؟

بعض ما ورد في مقال أسعد أبو خليل-

صدرت، أخيراً، مذكّرات إيلي فرزلي بعنوان «أجمل التاريخ كان غداً». ولولا الانشغال بالـ«كورونا» والانهيار الاقتصادي، وحالة الانهيار الإعلامي، ولولا حجم الكتاب الضخم (في ٨٠٠ صفحة ونيّف) لنالَ ما يستحقّه من عناية ونقد ومراجعة وردّ.

 

قد يكون الكتاب من أهم ما صدرَ عن مرحلة سيطرة النظام السوري في لبنان وعن المرحلة الحريريّة، وهي بلسان شاهدٍ ومُشارك فيها.

 

وبعد قراءته، يمكن الحكم على مصداقيّة المؤلّف ـــ تختلف معه أم تتفق ـــ من خلال الحكم على عرضه للأحداث ولدوره فيها، وعلى أمانته الأدبيّة.

 

ويبدو المؤلّف صادقاً أميناً في روايته بدليل أنّ بعض ما رواه لا يأتي بالضرورة لصالحه: مثل تعامله مع تجربة البقاع الغربي تحت الاحتلال الإسرائيلي وتفاوضه (مع قادة محليّين) مباشرةً مع جيش الاحتلال الإسرائيلي حول تسليم «مطلوبين». وهذه التجربة كان خصوم فرزلي يلمّحون لها عبر السنوات. الدليل الثاني على أمانة روايته، يتأتّى من وصف علاقته بغازي كنعان، وهي ليست في صالحه لأنّه يصف شدّة اعتماده على «الصداقة»، ويُظهر مدى اهتمامه بتنمية ورعاية هذه العلاقة التي تنتهي بقطيعة بين الرجلَيْن (قطيعة من قِبل كنعان).

 

الدليل الثالث أنّ فرزلي يصف علاقته بالحريري ويذكر عرضاً تلقّيه أسهماً في «سوليدير» هديّة من رفيق الحريري.

 

رابعاً، يروي فرزلي قصة عائلته من دون المبالغة والتفخيم، الذي تألفه في سيرة اللبنانيّين عن عائلاتهم. هو يروي بدقّة المعاناة الاقتصاديّة، وحتى شظف العيش، الذي مرّت به العائلة. ويعترف أيضاً أن ليس كل ما في الكتاب من مخزون الذاكرة، بل من روايات أفراد في العائلة.

 

أكثر ما سيهم اللبنانيّين من الكتاب هو التوصيف التفصيلي (والمُتعاطِف) لشخصيّة غازي كنعان

وأكثر ما سيهمّ اللبنانيّين من الكتاب، هو التوصيف التفصيلي (والمُتعاطِف) لشخصيّة غازي كنعان. ويروي فرزلي ما لا يرِد في أحاديث السياسة في لبنان بعد اغتيال الحريري، حيث تعرّض تاريخ شديد المُعاصَرة، إلى تزييف وتشويه. يريد فريق ١٤ آذار أن يصوّر رفيق الحريري وصحبه، على أنهم هم كانوا المعارضين الشجعان لغازي كنعان وسيطرة النظام السوري، فيما يذكر فرزلي أن الوحيد الذي عارضَ غازي كنعان وبقوّة، كان إميل لحّود (الوحيد ربما بين الساسة في سوريا ولبنان الذي لم يضعف أمام إغراءات المال الحريري).

 

تقرأ أن لحّود ـــ وحده ـــ كان المسؤول عن ترحيله عن لبنان وإخراجه من الملف اللبناني. فقد طلبَ لحّود من القيادة السوريّة مباشرةً إزاحة كنعان، قائلاً: «لا يستقيم الأمر مع وجود رئيسيْن في لبنان، واحد منهما يجب أن يذهب» (ص. ١٦٣). وهذا من إنصاف فرزلي لأنّ العلاقة بينه وبين لحّود لم تكن حسنة.

 

هل يمكن أن نتصوّر أنّ جنبلاط أو الحريري أو مروان حمادة أو الياس هراوي أو نبيه برّي، الذين أطاعوا النظام السوري من دون سؤال، تجرّأوا على الطلب من القيادة السوريّة نقل عنصر مخابرات، لا نقل رئيس المخابرات السوريّة، عن لبنان؟ أكذوبة ١٤ آذار حوّلت لحّود إلى دمية بيد النظام السوري، فيما صوَّرت رفيق الحريري المُطيع مقاوِماً بطلاً ضدّ إرادة النظام السوري.

 

كما يتّضح من سرديّة فرزلي، أنّ مشكلة حسين الحسيني واستقالته من النيابة في عام ١٩٩٢، كانت بسبب فوز قائمة حزب الله بكامل أعضائها (ترك الحزب مقعديْن شاغريْن، للحسيني وآخر حلّ فيه يحيى شمص، ص. ٣١٧). أي أنّ الحسيني كان مثل جنبلاط، يريد أن يفوز هو وحده، وأن يرسب كل منافسيه. لكن الحسيني أصبح رئيساً للمجلس بقرار النظام السوري، بعدما افترق كامل الأسعد عن سوريا (وكان الأسعد طوال سنوات الحرب الأهليّة، حتى اجتياح ١٩٨٢ ـــ والاجتماع الشهير مع ميشال المرّ ـــ من أقرب حلفاء النظام السوري في لبنان).

 

كما يروي فرزلي كيف أنّ الهراوي والحريري أقصيا جورج أفرام، في عام ١٩٩٣، بعدما لزَّم شركة إيطاليّة لتأهيل الكهرباء، واستبدلاه بإيلي حبيقة (ص. ٣٢٤). ويروي فرزلي أن حافظ الأسد رأى أن لسوريا مصلحة في وجود رفيق الحريري على رأس الحكومة، وهي أطلقت يده في «الشؤون المالية والاقتصاديّة» (ص. ٣٣٧). ويتضح كم أن التغطية الطائفيّة في لبنان هي الحامية الأهم للفساد والفاسدين، إذ أن البطريرك الماروني مار نصرالله صفير بادر فرزلي بالقول: «يا ابني، أليس هناك لصوصٌ إلا الموارنة»، وذلك عندما ترأس فرزلي لجنة نيابية للتحقيق في صفقة الـ«بوما»، التي تمّت في عهد أمين الجميّل (ص. ٣٣٩)؟ وعندما حاول فرزلي مع آخرين محاربة مشروع لاحتكار الحريري لنشرات الأخبار في لبنان، اعكتف الحريري ولجأ ـــ على عادة الحريريّة منذ وصول الحريري إلى لبنان ـــ إلى السلاح المذهبي وتأجيج الشارع. فما كان من غازي كنعان إلّا أن اتصل بفرزلي قائلاً «بلجهة استياء: اذهب وبلّغ الحريري أن عليه فتح باب البيت من جديد والتراجع عن الاعتكاف» (ص. ٣٦٩)، وطبعاً نفّذَ حريري الأمرَ وأطاعَ، على عادته في الرضوخ.

 

وعن تفضيل الحريري للهراوي رئيساً أبديّاً، قال فرزلي أمام المسؤولين السوريّين والحريري: «رئيس مفسود أفضل له من رئيس يتولّى إفساده من جديد» (ص.٣٧٤). ويضيف فرزلي أن وجنتي الحريري احمرّتا وانتفخت أوداجه. ويظهر في الكتاب كم أنّ الحريري كان يمقت المسيحيّين في لبنان، ويصرّ على احتكار تمثيلهم، وهو خرّب حواراً بين قيادات مسيحيّة والنظام السوري، عبر نسب قول (مزوّر) للبطريرك صفير يقول فيه إن الحوار هو بين مسيحيّين وعلويّين (ص. ٣٩٨).

 

بات هذا الكتاب مرجعاً أكيداً في التاريخ المعاصر للبنان، وخصوصاً مرحلة سيطرة النظام السوري. تقرأ الكتاب وتجد إجابات عن أسئلة، وتبقى أسئلة أخرى معلّقة من دون جواب: عن سرّ تعلّق فرزلي بـ«الصداقة» مع غازي كنعان، حتى بعد إظهار الأخير الجفاء له، أو انتقال الكاتب من العروبة العلمانيّة إلى القانون الأرثوذكسي السيّئ الذكر، أو اقتراح الكاتب استقالة عمر كرامي بعد اغتيال الحريري، ما سهّل مؤامرة ميقاتي ـــ لارسن ـــ فيلتمان. لكن رواية فرزلي تشدّ القارئ، وعلى الذين تناولهم في الكتاب الردّ أو المناقشة، إذا كان هناك ما يستدعي ذلك.

اترك تعليق