قوات يونيفيل تهتزّ جنوباً في لحظة إقليمية حرِجَة وأسهم الحرب ترتفع!

على وقع الصّمت الأميركي حتى الساعة على كسْر إيران الحصار الأميركي المفروض على فنزويلا، والعقوبات الأميركية المفروضة عليها (طهران)، تصل ناقلات النّفط الإيرانية الى المياه الإقليمية الفنزويلية.

وبالعودة الى المنطقة، نجد أن حبساً للأنفاس يحصل فيها على مستويات عدّة، على ضوء السّعي الأميركي لتحجيم الدّور الإيراني الأمني والإستخباراتي في العراق وسوريا ولبنان. فيما تجنح طهران في بعض ممارساتها الى ما يُشبه من قد يسعى الى تسخين معيّن، رغبة بجرّ الأميركيين الى طاولة مفاوضات معيّنة، توقف استنزاف محور “الممانعة”، عسكرياً ومالياً.

وعلى وقع تلك التطوّرات، وبموازاة بدء ضخّ الكثير من الكلام عشيّة التجديد لعمل قوات “يونيفيل” في جنوب لبنان، بين متحدّث عن تغيير مهامها، ومؤكّد أن هذا لن يحصل، نسأل عن الإشكال الذي وقع أمس بين عناصر دورية من الكتيبة الفنلندية التابعة لتلك القوات من جهة، وبين أهالي بلدة بليدا من جهة أخرى، وسط تضارُب كبير في المعلومات حول صحّة ما أُشيع عن دخول عناصر راجلة من الكتيبة الى ملكيات خاصّة للتفتيش فيها. فيما بدأ بعض أهالي الجنوب يعبّرون عن انزعاجهم من قوات “يونيفيل”، ويحذّرونها، عبر بيانات يصدرونها.

فكيف يُمكن قراءة التوتير هذا في اللّحظة الحالية؟ وماذا يعني؟

أبعاد إقليمية

شدّد العميد المتقاعد، وقائد عملية “فجر الجرود” فادي داوود، على “الأبعاد الإقليمية الشاملة لكلّ التطوّرات الأمنية التي تحصل مؤخّراً. فحادث بليدا أمس ليس جديداً بحدّ ذاته، ولا هو الأول من نوعه، إذ حصلت خلافات مماثلة سابقاً مع قوات “يونيفيل” في الجنوب”.

وأوضح في حديث الى وكالة “أخبار اليوم” أن “قوات “يونيفيل” تطالب منذ وقت طويل بأن تقوم بدورياتها لوحدها، وأن تُمنَح إمكانية تحديد ما هو مناسب أو غير مناسب في عملها، لوحدها أيضاً. ولكن حيثيات كثيرة حسّاسة تتحكّم بذلك، فيما الإتفاق الذي تعمل بموجبه تلك القوات يفرض عليها عدم دخول الملكيات الخاصة. الأمور دقيقة جدّاً، وأي خطوة غير محسوبة جيّداً يُمكنها أن تؤدّي الى مشكلة كبيرة”.

وقال:”يجب التعاطي مع كلّ ما يتعلّق بقوات “يونيفيل” وبطبيعة عملها جنوباً، بدقة أكبر في الظرف الراهن، انطلاقاً من أمرَيْن مهمَّيْن جدّاً. أوّلهما يتعلّق بأنه بعد شهرين، ستتمّ مناقشة موضوع التجديد لتلك القوات. فالتوافق الدولي حول التجديد لها يتمّ بـ “شقّ النَّفَس” منذ سنوات، إذ يحصل بلا أي تعديل لقواعد الإشتباك، فيما بعض الدول الكبرى تطالب بضرورة تعديل تلك القواعد في الأمم المتحدة. وهذا الأمر يعني إذا حصل، أن القرار 1701 سيمكّن قوات “يونيفيل” من التدخّل بالقوّة”.

وأضاف:”من هذا المنطلق، كان يجب التروّي أمس، في لحظة حرجة، لأن حادثاً مماثلاً قد يصعّب المطالبة بالتجديد لـ “يونيفيل” بعد شهرين، بالشّكل الذي يريده لبنان، أي بلا تعديل لقواعد الإشتباك. ناهيك عن أن ميزانية “يونيفيل” ماضية في التخفيض سنوياً”.

أرصدة مجمّدة

وعن الأمر الثاني المهمّ، والمرتبط بضرورة التعاطي الدّقيق مع ملف “يونيفيل” جنوباً في الوقت الراهن، شرح داوود:”هو الواقع الإقليمي المتعلّق بالمنطقة عموماً. فوصول ناقلات النفط الإيرانية الى فنزويلا، لا يخرج عن إطار الإعلان قبل أكثر من شهر، عن تحرير أرصدة إيرانية كانت مجمّدة في لوكسمبورغ بطلب أميركي، تزيد عن 1,6 مليار دولار. وهو ما وصفته إيران في ذلك الوقت بأنه انتصار قانوني حقّقته في وجه الأميركيين، داخل أوروبا. ولكن الوقائع كلّها تُظهر أن هذا ما كان يُمكنه أن يحدث، لولا وجود تفاهم مع الأميركيين على حصوله”.

وتابع:”نذكر في السياق نفسه، ما حصل في العراق، من استلام مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة العراقية، هو الذي كانت ترفضه كل القوى الموالية لإيران عندما طُرِح إسمه في التداول. ورغم ذلك، أصبح رئيساً للحكومة هناك، وأفصح عن عناوين أساسية لعمله تقوم على محاكمة عناصر “الحشد الشعبي” الذين أطلقوا النار على العراقيين المنتفضين في الشوارع، وتخلية سبيل الثوار الذين تمّ توقيفهم، وضمّ عناصر “الحشد الشعبي” الى الجيش العراقي، مع تسليم أسلحتهم الى الدولة العراقية. فضلاً عن أن الكاظمي أعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي إلى دائرة مكافحة الإرهاب، وأعطاه ترقية، وذلك بعدما كان (الساعدي) نُقِل بأمر من رئيس الحكومة العراقي السابق عادل عبد المهدي إلى الإدارة في خطوة تعني تحجيمه، بطلب من قائد “فيلق القدس” الراحل في “الحرس الثوري” الإيراني، قاسم سليماني. ومحصّلة ذلك، هي أن رجل أميركا الأول (الكاظمي) والثاني (الساعدي) صارا في قلب المشهد العراقي، وهو ما يعني أن إيران ليست بعيدة كلياً ممّا يحصل بالفعل”.

حرب؟

وردّاً على سؤال حول تغيير قواعد اشتباك قوات “يونيفيل” في جنوب لبنان، ونتائجه المحتملة، انطلاقاً من تلك الصّورة، أجاب داوود:”أي تغيير لقواعد الإشتباك سيؤول فوراً، وباللحظة ذاتها، الى معركة مع “حزب الله”.

وتوسّع في الكلام، منبّهاً الى أن “شيئاً معيّناً يتحضّر في المنطقة. ففي سوريا، نلاحظ كيف أن التفاهم الأميركي – الروسي أدى الى حصر الدور الإيراني في مناطق عدّة هناك. وإذا راقبنا التهديدات الإسرائيلية المتكررة على ألسنة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، والضائقة الإقتصادية في لبنان، التي صحيح أنها تطال الجميع، إلا أنها تهدف الى تشديد الخناق على “حزب الله”، نجد أن هذه الملموسات كلّها ترفع درجة القلق من عمل عسكري إسرائيلي يقلب الوضع كلّه”.

وأضاف:”تتركز الاستراتيجيا الأميركية اليوم على تحجيم الصين، من خلال ضرب المصالح الصينية، ولا سيّما في الشرق الأوسط. فالمواجهة المحتملة بين واشنطن وبكين في المدى المنظور، ستكون على شكل حرب باردة نظراً لاستحالة المواجهة العسكرية بينهما. وقوام تلك الحرب الباردة ضرب المصالح، ولا سيما أن الصين تحاول حالياً أن تحرّك “طريق الحرير” وخطّ السكك الحديدية، وهما مشروعان يمرّان في الشرق الأوسط في شكل رئيسي. وبالتالي، أي خضّة في المنطقة قد تناسب الاستراتيجية الأميركية في ضرب المصالح الصينية، في هذا الإطار. وانسجاماً مع تلك الصّورة أيضاً، نجد أن أي حرب إسرائيلية تصفّي تل أبيب من خلالها حساباتها مع “حزب الله”، ستُعيد ترتيب الكثير من الأمور، بطريقة خطيرة جدّاً، على شكل الكيان اللبناني”.

وأوضح:”من نتائج أي حرب أو ضربة إسرائيلية، هو التسبُّب بـ Deportation أو إبعاد وترحيل للسكان. ففي تموز عام 2006 مثلاً، رأينا كيف أن الحرب الإسرائيلية رحّلت بعض سكان الجنوب الى البقاع، والى بعض مناطق جبل لبنان، فيما ذهب بعضهم الى سوريا. ولكن إيران مع حلفائها في المنطقة، أنفقوا آنذاك مليارات الدولارت لإعادة إعمار الجنوب، وإعادة الناس الى منازلهم. أما اليوم، فلا يوجد من يدفع إذا وقعت الحرب، وحصل الإبعاد”.

وختم:”هذا خطر كبير، سيتسبّب بخلق واقع جيو – سياسي وديموغرافي جديد في لبنان، لا بدّ من التنبّه منه، والعمل على منع حصوله”.

اترك تعليق