أرواح الآف العائلات اللبنانية مهدّدة في عقر دارها

في الجغرافيا اللبنانية عشرات الآف المباني مهدّدة بالسقوط فوق رؤوس قاطنيها في أيّ لحظة. ومع كلّ انهيار مبنى وإزهاق أرواح قاطنيه، نسمع تأكيدات بتشكيل لجان لإجراء مسح شامل للأبنية المتصدّعة والآيلة للسقوط، بغية تدعيمها وترميمها، ثم تبدأ حفلة تقاذف المسؤوليات بين الجهات المعنية، ويعود الملف من جديد إلى دائرة النسيان.

الهيئة اللبنانية للعقارات تحدثت عما يفوق 16460 مبنى مهدّد بالإنهيار في المحافظات كافّة، يتوزع أكثرها في المدن الساحلية. تفتقر معظمها إلى معايير السلامة العامة، ويقطن فيها حوالي 85% من العائلات اللبنانية. لمحافظة بيروت النصيب الأكبر من هذه المباني، بحيث يوجد أكثر من 10 الآف مبنى، وفي محافظة الشمال وطرابلس هناك 4 الآف منبى، وفي بقية المحافظات والمناطق ما يقارب 1400 منبى مهدّد بالسقوط. ومعظم تلك الابنية يقع ضمن المناطق والأحياء الشعبية الفقيرة والأسواق القديمة، كمدينتي صور وطرابلس.

رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات أنديرا زهيري وفي حديث لـ “لبنان 24″ أكّدت أنّ هذه الأبنية غير صالحة للسكن، وباتت تشكّل خطرًا على قاطنيها وعلى السلامة العامة، استنادًا إلى تقارير وإفادات نقابتي المهندسين في بيروت والشمال. وقد أضحت هذه المباني قنابل موقوتة قد تزهق أرواح شاغليها، كما حصل في مبنى فسّوح في الأشرفية قبل ثمانية أعوام، وفي مبنى آخر في برج البراجنة قبل عامين، وفي الميناء العام الماضي، بحيث أسفرت هذه الإنهيارات عن سقوط ضحايا.

بالإشارة إلى الأسباب التي حالت دون ترميم تلك الأبنية على رغم مرور عشرات الأعوام على تشييدها، لفتت زهيري إلى أنّ هذه المباني تعرّضت للإهمال حتّى من قبل أصحابها، لعدّة اسباب، أبرزها أنّ العديد منها يخضع لقوانين الإيجارات القديمة، وبدلات الإيجار الزهيدة حالت دون تمكين المالك من إجراء عمليات الترميم المكلفة، والبعض الآخر مصنّف مبانٍ أثرية، تعود لأكثر من 700 سنة (حقبة المماليك والعثمانية والصليبية وغيرها، لا سيّما في مدينة طرابلس…)، جُمّدت من قبل المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة، وتُركت على حالها المهترئ، لغياب التمويل. وذكّرت زهيري بالمرسوم الصادر في 11 آذار 2005، رقم 14293 والذي عدّل في 7 من نيسان 2012 برقم 7964، والمتعلّق بشروط تأمين السلامة العامّة في الأبنية والمنشآت، وفي تجهيزات المصاعد، والوقاية من الحرائق والزلازل، وكلّف مهمة المراقبة إلى لجان متخصصة، ولكنّه لم يشمل المباني القديمة، إلّا أنّ ذلك لا يمنع المعنيين من إجراء مسح شامل للأبنية القديمة وتحمل المسؤولية.

التقارير التي أعدّتها اللجنة الفنية والهندسية في الهيئة اللبنانية للعقارات، بيّنت مدى حجم التصدّعات في العديد من تلك الأبنية “هناك انهيارات تحصل بشكل شبه يومي في العديد من الشقق، بحيث تنهار أجزاء من الإسمنت من بعض الشرفات والجدران، بما ينذر بالأسوأ”.

زهيري جدّدت مطالبتها للمعنيين بوجوب إجراء مسح دقيق وشامل لتلك الأبنية القديمة، بالتعاون بين البلديات واللجان، وتحت رقابة وإشراف نقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس. لهذه الغاية دعت زهيري شاغلي تلك الأبنية ومالكيها، الذين يشكّون في متانة وسلامة أبنيتهم إلى أن يبادروا لتقديم كتاب خطّي إلى البلدية التي يقع العقار ضمنها. “خصوصًا وأنّ خطر هذه الأبنية تفاقم في ظلّ جائحة كورونا، التي ألزمت المواطنين ومن كلّ الفئات العمرية بالمكوث في منازلهم، في معظم الوقت، وبالتالي أيّ تصدع أو انهيار سوف تكون عواقبه وخيمة، لا سيّما وأنّ تلك الأبنية تفتقر إلى سلالم النجاة، وغير مؤهلة لإجلاء السكّان عند حدوت أي انهيار محتمل”.

بالتوازي، ترى الهيئة اللبنانية للعقارات أنّه لا بدّ من تحديث المنظومة التشريعية، عبر تطوير وإقرار قوانين تحرّر عقود الإيجارات القديمة، وتساعد في ترميم الأبنية القديمة، وتؤمّن التمويل اللازم، لتفادي خطر الإنهيار ووقوع ضحايا، على أن تترافق مع خطّة إسكانية، ركيزتها إقرار قانون الإيجار التملكي، “فأيّ حل يجب أن يؤمّن حماية حق الملكية الفردية، ويصون سلامة وأمن المواطن، تحت شعار السلامة العامة معيار وطني”.

اترك تعليق