المصير… ما بين ثلاثة أحزاب

وأخيراً ارتسمت الصورة بكل وضوح…

فمصير البلد المالي والاقتصادي أصبح رهن نتيجة الصراع ما بين ثلاثة أحزاب…


ثلاثة أحزاب تتصارع لتحديد مصير الوطن ومستقبله على الصعيدين المالي والاقتصادي، وبالتالي لتحديد مدى إمكانية استمرار الكيان اللبناني…

لا يذهب بكم الخيال بعيداً…

فأنا لا أتكلم هنا عن أحزاب سياسية مرخصة، وإن كانت هذه الأحزاب تتصارع على حكم البلد وتحديد مستقبله ومصيره…

وإنما أتكلم عن أحزاب واقعية تكرست بنتيجة الواقع الاقتصادي والمالي الأليم الذي نشأ بعد أحداث السابع عشر من تشرين الأول 2019، ووضع خطة التعافي الحكومية، وتعود نشأتها إلى زمن بعيد…

ثلاثة أحزاب كرستها الأحداث:
حزب الإفلاس والتضليل
وحزب المصارف
وحزب المواطن والمودع

أولاً: حزب الإفلاس والتضليل

قوامه مجموعة من المستشارين السابقين والحاليين الحاقدين على كل شيء يتوسلون واحدة من الصحف الصفراء التي لا يقل القيمون على إدارتها حقداً عنهم، حتى ولو آل الوطن إلى الخراب…

وضع هؤلاء خطة الحكومة للتعافي المالي التي أقل ما يقال فيها إنها خطة إفلاس الدولة والكيان اللبناني، إذ أن جميع الديون والالتزامات من الآن وحتى العام 2043، المستحق منها وغير المستحق، اعتبرت خسائر يجب تصفيتها فوراً دون أي اعتبار آخر. وهذا الأمر لا يصح اعتماده إلا في حالة الإفلاس فالتصفية…

قدرت الخطة الخسائر بمبلغ 241 ألف مليار ليرة وقررت تغطيتها من ثلاثة مصادر:
رساميل مصرف لبنان والمصارف
ودائع المواطنين عن طريق الـ Bail-in أي الاقتطاع
موجودات الدولة من عقارات وسواها بإنشاء صندوق لإدارتها واستثمارها على طريقة اللوياجيرغا الأفغانية

وإذا ما علمنا أن رساميل مصرف لبنان والمصارف تبلغ 37 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل 15% من إجمالي الخسائر، وأن الاستثمار في الصندوق لن يؤتي مفاعيله قبل عدة سنوات، لتبين بأن العبء الأساسي في تغطية الخسائر فورياً يقع على المودعين لقاء وعود بتملك أسهم في المصارف، أو حتى تملك هذه المصارف.

ونظراً لموقع هذا الحزب في مركز القرار لدى السلطة التنفيذية، موظفون رسميون ومستشارون، أمكنه وضع الخطة دون أن يستشير أحداً، معتمداً على أن الدولة هي الطرف الأقوى في أي معادلة، وبإمكانها أن تفرض إرادتها على سائر القوى في المجتمع، حتى عن طريق إصدار قوانين بمفعول رجعي يمتد إلى ثلاثين سنة سابقة لاستعادة فوائد مفرطة دفعتها الدولة لمموليها.

ثانياً: حزب المصارف

يضم هذا الحزب مصرف لبنان والمصارف التجارية والهيئات الاقتصادية مع مجموعة من السياسيين والمنظرين والمستفيدين من خدمات القطاع المصرفي. وهذا الحزب لا يقل حقداً عن حزب التضليل والإفلاس وهو يعتبر الدولة كالبقرة الحلوب التي وجدت لترعى مصالح القطاع الخاص الممول الأساسي لخزينة الدولة. فالنظام الضريبي يجب أن يكون لمصلحته، والنظام الاقتصادي أيضاً حتى ولو أدى إلى نشوء الاحتكارات وانحسار الانتاج لصالح الريع. والدولة يجب أن تمتص فوائض ودائعه المصرفية حتى ولو كانت لا تحتاج إليها، وسبب كل مشكلة بالنسبة إليه هي سلسلة الرتب والرواتب التي رتبت أعباء على الخزينة وخرقت الأمر الواقع (Status quo) الذي فرضه الحزب ومؤيدوه على مدى أكثر من عشرين سنة (1996- 2017) تآكلت خلالها القدرة الشرائية لرواتب الموظفين.

أما موقف هذا الحزب من خطة الحكومة فالرفض المطلق لأن الخسائر حصلت من جراء سوء إدارة الدولة. وهو يرفض المس بسندات الخزينة وبسندات اليوروبوند التي يحملها، كما يرفض المس برساميله، ويقترح إنشاء صندوق في مصرف لبنان وبإدارته توضع فيه جميع موجودات الدولة وعقاراتها وعقارات القطاع العام، والأموال المنهوبة التي يمكن استردادها وسواها… إلا أن الأمانة تقتضي الإشارة إلى أن هذا الحزب لا يمانع في التفاوض مع الحكومة من أجل إعادة النظر بالفوائد على كلا النوعين من السندات.

وهذا الحزب لم يتورع عن إذلال المواطنين وممارسة تدابير غير مشروعة على المودعين: شبه مصادرة للودائع، تقنين السحب من الودائع حتى ولو كانت غير مجمدة، عدم دفع المبالغ المحولة من الخارج إلى المواطنين بالعملة المحولة بها، لا بل فرض سعر أدنى من سعر السوق لتحويلها…

ثالثاً: حزب المواطن والمودع

نشأ هذا الحزب بنتيجة تعسف كلا الحزبين بحق المواطن، فحزب التضليل والإفلاس أعلن إفلاس البلد وأطلق رصاصة الرحمة على أي أمل بنهوضه، وحزب المصارف أذل المواطن وأفقره وجوعه، وأعلن براءته مما آلت إليه الأوضاع وتنصله من تحمل اي عبء في عملية عودة العافية إلى البلد.

قوام هذا الحزب مجموعة من نواب الأمة انتظمت في لجنة المال والموازنة في مجلس النواب، وانضم إليها كثيرون خلال مسيرتها على مدى أكثر من عشر سنوات، جعلت رائدها الإصلاح منذ العام 2010، فتصدت لموضوع غياب الحسابات المالية السنوية منذ العام 1993 وثابرت على متابعته حتى العام 2018 حين تم إنجاز هذه الحسابات من قبل وزارة المالية وأحيلت إلى ديوان المحاسبة، متضمنة مبالغ تزيد على 27،3 مليار دولار أميركي مجهولة المصير، لأن الإدارتين المالية والسياسية في وزارة المالية استنكفتا عن إعداد الحسابات في حينها على مدى أكثر من 22 سنة. وتصدى هذا الحزب لموضوع التوطيف المخالف للقانون بعد العام 2017 وفند بالأرقام مواطن الخلل في عملية التوظيف في القطاع العام. وتصدى للإنفاق غير المجدي في مشاريع الموازنات وإلى إمكانية الاستدانة المفتوحة الممنوحة للحكومات المتعاقبة، فاصدر تسعة وثلاثين توصية يمكن اعتبارها مشروعاً متكاملاً للإصلاح المنشود على الصعد كافة. وتصدى أخيراً لخطة الحكومة للتعافي المالي التي تبين أنها تعدم بعض العافية التي يمكن أن يبنى عليها للنهوض.

فمن وجهة نظر هذا الحزب:

– لبنان متعثر وليس مفلساً وهو بحاجة إلى رواد إصلاح لا إلى وكلاء تفليسة،
– وحق المودع في وديعته وفي التصرف بها مقدس،
– وإذلال المواطن غير مقبول مهما كانت الذرائع والأسباب،
– والكل مسؤول عما آلت إليه، والكل يتحمل في عملية النهوض من التعثر:

• الدولة بموجوداتها، مع إدارة مستقلة عن مصرف لبنان لصندوق يتولى إدارة واستثمار هذه الموجودات وتحول إليه نسبة معينة من الدين العام، بحيث يمكن لموازنة الدولة أن تتحمل خدمة الجزء الآخر،
• المصارف ومصرف لبنان مسؤولون برساميلهم عن تحمل جزء من الخسائر.
• الخسائر تحتسب على أساس المستحق وغير المستحق لغاية العام 2027.
• عدم انعكاس أي عبء على المواطن والمودع من جراء عملية النهوض من التعثر.

والأهم من كل ذلك هو الحوار البناء الذي أقامه هذا الحزب مع الحكومة على امتداد شهر ونصف للوصول إلى قواسم مشتركة تشكل أساساً متيناً للتفاوض مع المؤسسات الدولية والدول المانحة لاحقاً، فلم يسلم من عراقيل حزب الإفلاس والتضليل وسهامه.

وعلى المواطن أن يقرر إلى أي حزب ينتمي وأي مصير ينتظره.
فهل يحسن الاختيار؟؟
أم تبقى الأمور لديه: عنزة ولو طارت.

اترك تعليق