أمّا بعد… ( عقل العويط)

أمّا بعد، فمن المجحف أنْ يُحَمَّلَ النوّابُ الجدد، على اختلاف حيثيّاتهم وانتماءاتهم، ما ليس في وسعهم (وخبراتهم) أنْ يحملوه، ويتحمّلوه. أيًّا يكن ما جرى من وقائع في جلسة انتخاب رئيسٍ (جديدٍ) لمجلس النوّاب، ونائبٍ للرئيس، وهيئة مكتب المجلس، ذلك يجب أنْ لا يحرف أحدًا عن المسألة الجوهريّة، وإشكاليّتها الآتية:
كيف يمكن، داخل السلطتين التشريعية والتنفيذيّة (والسلطة القضائيّة)، وقف – البلطجة – المصيريّة والكيانيّة والقانونيّة والدستوريّة والشرعيّة والميثاقيّة والمعيشيّة والماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي، على ما يظهر ويبدو، تمعن في تأبيد الوضع السياسيّ القائم ضمن رؤيةٍ جهنّميّةٍ، منهجيّةٍ، متماسكةٍ، ومتكاملةٍ، ستتوضّح بعض استحقاقاتها المقبلة في الأيّام القليلة المقبلة، عشيّة الدعوة إلى استشاراتٍ ملزمة لاختيار رئيسٍ جديدٍ للحكومة. وستتوضّح تباعًا استحقاقاتها اللاحقة.
ما أستطيع قوله، وبتأنيبٍ صارمٍ، شديد اللهجة، وكبير، إنّ ما كان “مبلوعًا” الوقوعُ في مطبّه خلال الجلسة الأولى لمجلس النوّاب الجديد، لم يعد جائزًا التغاضي عنه، أو التساهل حياله، أو “تسهيل” الوقوع فيه خلال الاستشارات الملزمة وما سينجم عنها. في هذا الشأن، فليعِ كلُّ نائبٍ وظيفته، ودوره، ومسؤوليّته المباشرة (وخصوصًا التغييريين الجدد، أكانوا فرادى أم مجموعةً واحدةً)، وليدركوا ماذا يعني أنّهم “نوّابٌ عن الشعب” و”للأمّة”، وماذا ينبغي لهم أنْ يفعلوه، ليلَ نهار، والآن، وهنا، ومعًا، لكي يضعوا رؤيةً متكاملةً لعملهم، وخطّةً تنفيذيّةً، لمواجهة البلطجة المنظّمة والمتكاملة.
استحقاقان داهمان لا تهاون فيهما، ولا يُسمَح حيالهما بعد الآن بارتكاب أيّ نوعٍ من الأغلاط، ولا بالإمعان في أيّ شكلٍ من أشكال المراهقة السياسيّة: رئاسة الحكومة (والحكومة) ورئاسة الجمهوريّة.
هناك أكثريّاتٌ وأقلّيّاتٌ في مجلس النوّاب الحاليّ، هي جميعها أقلّيّات، وليس لإحداها أنْ تزعم أنّها تملك نصف العدد زائدًا واحدًا أو أكثر (65 نائبًا فما فوق). الفارق الأساسيّ في ما بينها، أنّ ثمّة، في جهةٍ نيابيّةٍ ما (الجهة التي تدير مفاعيل اتّفاق مار مخايل)، يدًا طولى قادرة على إدارة الأوركسترا (هنا) وضبط الإيقاع وتوزيع الأدوار ولجم الانفعالات، وإلى آخره. لكن ليس هناك ما يثبت بالدليل الحسّيّ والحسابيّ الملموس أن هذه الجهة تملك 65 صوتًا لتعيين رئيسٍ للحكومة ولا لفرض رئيسٍ للجمهوريّة.
ليس هناك أيّ عيبٍ على الإطلاق في أنّ النوّاب التغييريّين الجديد لا يؤلّفون مكوِّنًا سياسيًّا واحدًا، وإنْ كان يُستساغ تأليف كيانٍ سياسيٍّ أو منصّةٍ مشتركة. المهمّ أنْ يعوا ديناميّة هذا التنوّع، وأنْ يوظِّفوه توظيفًا عقلانيًّا وبراغماتيًّا (نظيفًا)، وبآليّاتٍ تنفيذيّةٍ فوريّةٍ لا تقبل التأخّر وعدم التنسيق، في سبيل القضيّة الوطنيّة اللبنانيّة. والحال هذه، ليس هناك أيّ عيبٍ على الإطلاق في إيجاد آليّاتٍ للتنسيق بين جميع (أكرّر: جميع) الأطراف المعنيّين موضوعيًّا بهذه القضيّة الكيانيّة، على اختلاف مراتبها ومندرجاتها، وبما يستدعيه ذلك من كيفيّات ممارسة العمل الدستوريّ والتشريعيّ والرقابيّ، وأصولها، ومن مواجهة مفاعيل اتّفاق مار مخايل والاستحقاقات المقبلة.
هناك من المشتغلين في الشأن العامّ مَن “كلّخوا” أنيابهم وأضراسهم، ووظّفوا هذا “التكليخ” في نهب لبنان وتدمير دولته ومؤسّساته، وجعله دولةً فاشلةً أولى في العالم. فبأيّ رؤيةٍ سيواجه هؤلاء النوّاب التغييريّون (والأوادم) الجدد هذه السلطة الطاغية، وبأيّ خطّة؟ وماذا ينتظرون لينظّموا أنفسهم أوّلًا وعلنًا، ثمّ ليحيطوا أنفسهم بـ”لوبي” (خلفيّ) منظّم، من المستشارين والمتخصّصين والحكماء والعقلاء وأهل البصيرة الوطنيّة والسياسيّة؟ لا يعنيني أنْ أكون ضمن هذا “اللوبي”، وقد لا أكون شخصًا مؤثِّرًا في الشأن العامّ والعمل السياسيّ، لكنّي أعد – من موقعي ككاتبٍ حرّ – بأنّي لن أتأخّر طويلًا في تبكيتِ أيٍّ كان، بل التبرّؤ المعنويّ من أيٍّ كان، إذا بدر من أعماله ومواقفه وممارساته ما يشي بأنّه لن يكون أهلًا للمهمّة الوطنيّة التي نذر نفسه لها (كي لا أستخدم فعل “تنطّح” لها).
أمّا بعد، فما فات قد فات. لم يعد من وقتٍ للتضييع، ولا للعب، ولا أيضًا للمراهقة. الاستحقاقات داهمة، والتحدّيات داهمة. ممنوع الغلط. كلّ واحدٍ (منفردين و/أو مجتمعين) ع شغلو.

اترك تعليق