السلاح وكلفة إنقاذ البلد على وقع الإنهيار (عيسى بو عيسى)

في وقت تناسى فيه أهل السلطة ماّسي الناس والجوع الذي يفتك بهم ، يبدو أن المواطنين يتلطون حاليا وراء تداعيات الانتخابات النيابية وما شابهها من لجان ومقررين على سبيل التسلية في الاوقات التي أصبحت بمجملها ضائعة !!  فيما الوجع الاّتي سيفتك بهم بعد حين ، فكل شيء يوحي في البلد والتطورات الحالية والقادمة عليه أن المأساة ستزداد والبلد متجه نحو الانهيار التام.

لا شك أن من في السلطة وخارجها يعلم علم اليقين أن التطورات الدولية والاقليمية دفعت لبنان البعيد عن هويته الاصلية في الوقت الحالي الى الخلف أشواطا بعيدة من الاهتمام ، وما كان يصح للعمل الفرنسي أو الخليجي بإبقاء لبنان على الهاوية وعدم سقوطه تكفّلت قوى الممانعة في البلد وإمتداداتها برميه داخل اّتون النار ، وبات الاّن غير صالح للاستفادة منه خصوصا أن الداخل اللبناني لم يكن على قدر إلتقاط الفرصة حين قررت السعودية وفرنسا مدّ يد المساعدة ولو بالقليل في الشؤون الاجتماعية والانسانية .

كيف ستتطور الاوضاع الداخلية في لبنان وسط هذه المشهدية؟

نعم هناك تخوف حقيقي وواقعي من إنفلات أمني – اجتماعي خصوصا ان سعر صرف الدولار لم يعد يشكل مؤشرا للإحتكار ورفع الاسعار بل بات الامر معاكسا بحيث كلما إنخفض سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبناينة ترتفع الاسعار بشكل مخيف ، وهذا يدل على إنفلات الوضع الاقتصادي على مصراعيه دون ضوابط أي عدم إرتباط سعر السلع والمواد الغذائية بأي سعر مقترح ، يعني ان التجار ومن وراءهم في واقع الحال هم من يديرون الدفة بعيدا عن اّلية خاصة بالدولة أو الوزارات المعنية ، وهذا ما سيخلق عداوات مستحكمة بين الناس يمكن أن تؤدي الى حوادث دامية ، تماما كما حصل مع  أمام المصارف والافران التي تشهد يوميا إصطدامات بين الادارات والمودعين وطالبي رغيف الخبز .

أما المشكلة الاكبر تتمثل في مسألتين تقعان في خانة غب الطلب لا يمكن التهاون بهما وهما :
– مشكلة الادوية المستعصية والسرطانية وهي شبه مفقودة في البلاد وإن تم إيجادها سوف يدفع المريض ثمنها داخل المستشفى إذا ما وٌجدت ولعلاجات قادمة ، فيما الادوية غير متوفرة على الاطلاق خصوصا المستعصية منها وهي توزع بشكل مقنن مع أسعار مرتفعة إذا كانت متوفرة ، وهذا يعني أن أصحاب هذه الامراض لم يعد لديهم ما يخسرونه ما دامت صحتهم اّيلة بالتدهور وسوف يتحركون بشكل تلقائي لتحصيل حقوقهم بأيديهم تماما كما أصحاب الودائع والذين خسروا أعمالهم ، يعني أن الدولة مستقيلة من مهامها  ومرتهنة مع مسؤوليها وتفتش عن المعوزين وتقتلهم !

– مشكلة بعض المصارف التي ستقفل أبوابها على خلفية الاضراب وهي المعنية برواتب الموظفين والعسكريين الذين ينتظرون شهرا كاملا لتدبير أمورهم وسداد ديونهم فيما الرواتب باتت لا تساوي شيئا” في السوق الاقتصادي !! وبالرغم من الكلام عن تسوية يٌعمل عليها في هذا المجال إلا أن الرواتب والمساعدة الاجتماعية يتم تقسيطها لأصحابها وفق خلفيات مصرفية متعددة !!

 

وتؤكد مصادر سياسية مطلعة صحّة التوقّعات المعوّل عليها حول مستقبل البلد القاتم في المراحل المقبلة، نظراً لعمقها وجدّيتها بعيداً عن السطحية التي حفلت بها مواقف قوى وأحزاب وتيّارات سياسية، أكّدت في خلاصتها أنّ أزمة لبنان متجذّرة ومعقدة، وأنّها تحتاج إلى سنوات من الإصلاحات والعمل والشفافية قبل بدء الخروج من أزمة أسهمت في انهيار وتداعي مقومات البلد تباعاً ، ناهيك عن المعضلة الاساس وهي وجود السلاح بعيدا عن الشرعية لتنفيذ رزمة من “البرامج” الاقليمية على حساب أهله ومستقبل أجياله ، وأن كلفة إنقاذ البلد بصيغته الحالية غير متوفرة على الاطلاق حيث هناك من يتلطى وراء هذا السلاح ويضعه على الطاولة ويدعو الى الحوار على الطاولة نفسها !! … وهنا يكمن الخطر الحقيقي على الوجود والكيان ، وأن خروج هذا السلاح عن “السمع” يضمن بشكل حتمي فتح النوافذ للفتنة ، وما دامت الاستراتيجية الدفاعية مجرد “ترنيمة” يعاد تكرارها في سبيل تثبيت السلاح …لا حول للبلد ولاقوة ، وبالتالي من يسأل عن إختفاء الادوية والغلاء وفقدان العيش عليه أن يتطلع في المقام الاول الى تلك النافذة بالذات حيث المسؤولية تكمن في باب السلاح المفتوح على كل شرّ وغلبة .

وأن ما يواجه لبنان حاليا ليس إنخفاضاً كارثياً في مستويات المعيشة فحسب، وإنّما حقيقة الامر أنّه لن يكون قادراً بعد الآن أبداً على ما يبدو من مؤشّرات بإكتساب بعض المصداقية من العالم الخارجي بفعل عدم “وحدانية” المشكلة الاقتصادية بحيث طغت عليها ورقة السلاح الغير شرعي والتي أبعدت كل الدول الصديقة عنه ، بل وضعت تلك الدول برنامجا واضحا في عقل مؤسساتها في عملية نسيان لبنان الى حين أن يعود البلد الى شبه إستقلالية في قراره ، ومن يصارح نفسه في كيفية وضع سلّم أولويات لإنقاذ البلد عليه في باديء الامر أن يسأل نفسه السؤال التالي: هل لبنان دولة مستقلة ولو بالشكل ؟ وهل القرار اللبناني نابع من “الصروح” اللبنانية  الرسمية أو من خلال القنوات الايرانية ؟ ، نعم إن لبنان ومشاكله لا تقتصر على مسائل الادوية وغلاء الاسعار على أهميتها إنما عمق الازمة يتمحور بمسألة وحيدة هي الارتهان الى الخارج وأجنداته الخاصة به التي لا تتلاءم مع مصلحة الشعب اللبناني بكامله ، والامثلة وحواضر الواقع لا تكذب على الاطلاق !

وفيما يعلم أهل السياسة همسا” أن البلد أصبح في عداد الدول الفاشلة وأهله يهلكون ويستعطون المساعدات على أنواعها ، ثمة نوع اّخر من القيادات يراهنون على سقوط لبنان نهائيا تمهيدا لنظام جديد يتلاءم بصورة خاصة خاصة بكيفية العبث من خلالها بالتركيبة اللبنانية المتنوعة إيذانا” بولادة “لبنان” مختلف عما سبقه في تكوينه الطوائفي ! ويبدو أن معظم رجالات الدولة أصبحوا على علم وخبر بما يحاك ، والأفضل فيما بينهم لا يمكنه وضع حجر على حجر على خلفية أنه “اّدمي” مؤمن بهذا البلد والعيش بين الطوائف .. لكن إنتاج هذا العيش من جديد سوف يكون مكلفا إن لم يكن مستحيلا !!

 

اترك تعليق