الرابعُ من آب قبلَ شهرٍ منه

عقل العويط – النهار

ها أنا عندَ قبرِكِ قبلَ شهرٍ من الرابعِ من آب. مضى عامان، يا بيروت. عامان لا أكثر. لا تزالين في أوّلِ القتلِ في أوّلِ الموت. وردتُكِ لن تنبتَ وفقَ إيقاعِ الفصول. والشمسُ، شمسُكِ، لن تشرقَ بمنطقِ الليلِ والنهار. كلُّ مَن يُطلقُ وعودًا كهذه، يذرُّ غبارًا يؤلمُ جرحَكِ والجروح. لن أكونَ مرائيًا لأبشّرَكِ بحياةٍ قريبة. لن أغامرَ باقتراحِ مشروعٍ للقيامة. لستُ الإناءَ الكاذبَ لأعدَكِ بيومٍ كيومِ الأحد، أو بمزيجٍ طيّبٍ من النبيذِ والخبز. “بعد بكّير. بعد بكّير”، يا بيروت. فلا يستوليَنَّ عليكِ عتابٌ يائسٌ، ولا تلتهمَنَّكِ رغبةُ انتحار.
لستُ ساديًّا لستُ سمسارًا لستُ قاضيًا لستُ حاكمًا لستُ محتلًّا لستُ طاغيةً إنّما محضُ راءٍ جريح. قد تنظرين إليَّ كأنّكِ تنظرين إلى قاتلِكِ ببرهانِ العينِ المجرّدة. لكنْ، ألا ترَين أنّكِ تستكملين مراحلَ قتلِكِ العدميّ، أنّكِ تتابعين موتَكِ، كأنّكِ لم تُقتَلي، بعدُ، ولم تموتي؟!
أنظري إليَّ كما تشائين. أنظري بعينَي هابيلَ القتيل، لكنّي لستُ قايينَ، ولستُ بقاتل. لا. أنا لستُ قايينَ، يا بيروتُ، وأنا لستُ بقاتل.
ثمَّ، ما القتلُ ما الموتُ لكِ، يا بيروتُ، يا أمّي، إذا كنتِ بيروتَ، وكنتِ أمّي؟!
أتعرفين ماذا يعني أنّكِ بيروتُ، وأنّكِ أمّي؟!
الخرابُ الذي يعتريكِ هو بعضُ ما تُجازَى به الزوجاتُ والأمّهاتُ والمدنُ العاصياتُ حين يقلنَ لا، حين يرفضنَ الزواجَ غصبًا!
إسألي القدسَ، إسألي روما، وبغدادَ، على سبيلِ التزكية.
إسألي العاصي ودماءَ قاسيونَ وبردى. وإذا شئتِ، إسألي دمشقَ أيضًا.
بابلُ التي غادرتْ، لا تزالُ ذكرياتُها والكتبُ على مرمى شهقةٍ شهقتَين من هنا. والبتراءُ وتدمرُ، ماذا بقيَ من صهيلِ البتراءِ وتدمرَ من رنينِ صنوجِهِما الثخينة، لكي تستكثري هولًا يأخذُ بمينائِكِ إلى الأتون، ويقسرُ خيولَكِ المطهّمةَ على التمرّغِ بعارِ التبرِ بالتراب؟َ
هوِّني عليكِ يا بيروت. ورويدًا. جثمانُكِ الشاخصُ في الهباءِ الأرعنِ، لا تنوئي تحتَ أوجاعِهِ، وإنْ ممهورةً بأشلاءٍ تنتشي بأشلاء.
القتلُ أقلُّ مصائرِكِ وأقدارِكِ، يا صديقتي يا أختي. كذا أقولُ عن موتِكِ، عن موتٍ قد لا تُستَشعَرُ قيامةٌ منه، في قريبٍ قريب.
لا بأسَ. لا بأس. ليس كثيرًا أنْ تُقتَلي أنْ تموتي، يا مدينتي.
اللواتي سبقْنَكِ في التهلكة، ولم يرضخنَ، يقولون إنّكِ ستجرّين، بعدُ، قدمَيكِ الحافيتَين جرًّا ذليلًا. وستأكلين العوسجَ والشوكَ. وستُضفَرين بالخزيِ بالهوان. ويقولون إنّ الوقتَ لم يأتِ، بعدُ، لتعثري على ضوءٍ ترتّبين به مشاغلَ الليلِ والنهار. لم يحنِ الأوانُ، بعدُ، ليسقيكِ سامريٌّ عند حافّةِ رؤيا وبئر.
خذي قولي باعتباري رائيًا جريحًا. دمُكِ النازفُ لا يزال حارًّا، يا امرأة. أقولُ فقط رويدًا. صحنُ انتقامِكِ، صحنُ الثأرِ، لن يؤكَلَ إلّا باردًا. وقايينُ لن يفلتَ. لن يفلتَ. لا بدَّ، من أجلِ الوليمةِ هذه، أنْ تهرقي شهورًا غفيرةً قبلَ أنْ يدملَكِ جرحٌ لرابعٍ من آب… بجرحِ قيامة!

اترك تعليق