تدحرج الأزمات إلى أين سيصل بلبنان؟

لا يخرج اللبنانيون من أزمة إلّا ويقعون في أخرى، وكأنّه كُتب عليهم أن يعيشوا في دوّامة أزمات لا يعرفون سبيلاً للخروج منها، وما شهدته السّنوات الثلاث الأخيرة دليلٌ واضحٌ على ذلك، من غير أن تلوح لهم في الأفق القريب خلال هذه السّنوات أيّ بادرة للخروج من قعر الأزمات الذي وصلوا إليه.

عندما اندلعت شرارة “الحَراك الشّعبي” في 17 تشرين الأول من عام 2019، توهّم بعض اللبنانيين للوهلة الأولى أنّ آمال التغيير والإنقاذ والإصلاح قد اقترب موعد تحقيقها بعد طول انتظار، قبل أن يتضح لهم مع مرور الزمن أنّ هذه الآمال لم تكن سوى سراب، وأنّ الأحلام تحوّلت إلى كوابيس قضّت مضاجعهم.

وكشفت الأحداث اللاحقة أنّ “الحَراك الشّعبي” لم يكن سوى واجهة جرت كلّ ألاعيب السلطة الخبيثة والوسخة خلفها، بدءاً مع إنهيار الليرة اللبنانية بشكل تدريجي خلال هذه السّنوات الثلاث قرابة 20 ضعفاً، وأفقدها قوتها الشّرائية، ثم توالت بعدها الأزمات مثل حبّات المسبحة التي انفرط عقدها، من أزمة المحروقات إلى أزمة الدواء والسّلع الغذائية والخبز، التي اختفت من الأسواق بالتزامن مع ارتفاع أسعارها خلال هذه الفترة، نتيجة الفساد وغياب الرقابة والإحتكار والتهريب، بين 10 أضعاف إلى 30 ضعفاً، بشكل أرهق اللبنانيين وحوّل حياتهم إلى جحيم، ودفع أكثر من 80 في المئة منهم نزولاً تحت خط الفقر، بشكل لم يعرفه لبنان من قبل، حتى في أيّام الحرب الأهلية السّوداء.

بعد 3 سنوات على بدء الحَراك، تبيّن أنّ كلّ الأهداف التي سعى لتحقيقها القائمون عليه قد انقلبت عكسياً، وأنّ التغيير المنشود كان نحو الأسوأ وليس الأفضل، وبأنّ هوّة الإنهيار قد اتسعت، ومعها الإهتراء الذي أصاب مؤسّسات الدولة، وسط أزمات سياسية تزداد تعقيداً وتعد بالمزيد، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من غرق لبنان في أتون الفوضى الأمنية التي ستكون نتيجة طبيعية لكلّ هذا التراكم من الأزمات المختلفة والمستعصية.

وفي وقت يقترب فيه لبنان من إستحقاقات سياسية مأزومة، وأفقها مسدود أمام أبواب الحل، مثل تأليف حكومة جديدة بعد الإنتخابات النيابية التي جرت في 15 أيّار الماضي، ثم التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال عون الذي تنتهي ولايته أواخر شهر تشرين الأوّل المقبل، تلقى اللبنانيون رسالة واضحة من الخارج المؤثر في مصير بلدهم، مفادها أنّ لبنان ليس في بال أحد في المنطقة أو العالم هذه الأيّام.

فقد أوضح السّفير الفرنسي المكلف تنسيق المساعدات الدولية في لبنان بيار دوكان، خلال جولة له على المسؤولين والسياسيين، أنّ لبنان “لم يعد أولوية بالنسبة إلى إيجاد الحلول حالياً، وبالتالي لا يجب الإعتماد على الخارج لاجتراح الحلّ حالياً لأنه سيأخذ بعض الوقت”.

هذا الكلام يعني ببساطة أنّ لبنان سيبقى غارقاً في بحر الأزمات التي تطوّقه من كلّ جانب، وأن عليه الإنتظار طويلاً إلى حين حصول “تسوية” ما لا تزال بعيدة.

اترك تعليق