“البلاد” للعويط: سياحة شعريّة في الجحيم والتمرّد والرفض والثورة

بالتزامن مع الذكرى السنويّة الثانية لفجيعة الرابع من آب 2020، المتمثّلة في تفجير مرفأ بيروت المأسويّ، وفي الخراب العميم الذي ألحقه بالعاصمة اللبنانيّة بيروت، يقدّم الشاعر عقل العويط قصيدة “البلاد” تحيّةً إلى البلاد، وإلى روح المدينة التي لا تموت، وإلى الضحايا والشهداء والأبطال المعلومين والمجهولين، وإلى الناس الذين يواصلون مهمّة الحياة والأمل والحرّيّة.
قصيدة “البلاد” الصادرة لدى “هاشيت/ أنطوان” بالعربيّة والفرنسيّة (ترجمة رينيه أسمر هربوز)، هي الجزء الأخير من ثلاثيّة التراجيديا اللبنانيّة (“الرابع من آب”، دار “شرق الكتاب” 2020، “آب أقسى الشهور يُشعِل الليلكَ في الأرض الخراب”، “دار نلسن” 2021) التي كتبها الشاعر عقل العويط بعد تفجير مرفأ بيروت والتنكيل بعيشها وخراب بيوتها واستشهاد أهلها.
“البلاد” (الغلاف لوحة لشوقي شمعون)، لازمتان أولى وأخيرة، بينهما سبع عشرة رؤيا، تستولد من حطام المدينة، من ركامات الحياة فيها، وأوجاع ناسها، ومن استلهامات ثورة 17 تشرين، ما يحوّله الهجسُ بالشعر إلى جحيمٍ أبوكاليبتيّة قياميّة حديثة، ذات أحوالٍ وطقوسٍ وأمزجةٍ ومراتبَ وموسيقاتٍ متنوّعة الإيماءات والطبقات.
تستفيد القصيدة من الوقائع والمشاهدات الحسّيّة وإيقاعات الجموع والهلوسات والتخييلات والكوابيس والمكبوتات اللاواعية، ومن نبرات السياحة في الجحيم والتمرّد والرفض والثورة والتخييل، لتغوص في الآن نفسه على نبوءاتٍ توراتيّة متنوّعة، منها ما يتعلّق بلبنان التاريخيّ ومدنه، والرؤى النيرانيّة التي تلتهم أرزه وسروه وأهله، فتعرب عن معاندتها الفلسفيّة والشعريّة لتلك اللعنات، باستخلاصها رؤًى تنضح بهبوب نسيم الرجاء والأمل والحرّيّة.
يصفّي الشاعرُ ذلك كلّه في مختبر الرؤى الأخيرة، حيث يعثر على اللغة التي تطرّي نفسها بنفسها، وتغتسل بجسدها، وتدمله بالشفيف من أحلامها وينابيعها، فيقدّم في المجمل إلى قارئ الشعر العربيّ والمنقول إلى الفرنسيّة مقترحًا شعريًّا مفتوحًا على مجاله الكونيّ الأرحب.
وإذ تمعن القصيدةُ في استنطاق العدم البيروتيّ من خلال مكوّناته المعجميّة وإحالاته ودلالاته وتأويلاته الرمزيّة، تجد السبل في الآن نفسه لاستنطاق الغضب النقيّ الذي يحمل فجرَ الجموع إلى خواتيم الديوان. وها هنا، تتهاوى صروحُ الليل، وتتحرّر اللغةُ الشعريّة، ومعها خرابُ بيروت ولبنان، من إثمِ الدمار والآلام، وتنفتح الشرفات على لغة السيولة والرقّة واللطف والحلم، حيث يستفيد الشاعر من طرائق التشييد الأوركستراليّ، لصنع بنيةٍ نصّيّةٍ متكاملة تتآخى فيها لغة العدم الوجوديّ مع الولادة الشعريّة من رحم العدم.
قصيدة “البلاد” هي بمثابة حبرٍ يندلق، يصير كتابًا. بل بمثابة لعنةٍ شعريّةٍ تلعن مَن يُضرِّج الحبرَ، مَن يضرّج لبنان. ثمَّ هي كحبرٍ، ككتابٍ يستفيق، ثمّ كمثل تَوقٍ مستجاب يخالف نبوءات اللعنة التي حلّت بالبلاد.
صفحاتٌ هي كجبالٍ في الليل، كجبالٍ في بيتِ لبنانَ تهتدي بأقدارها، تهتدي بلبنان.

*
عقل العويط شاعر وناقد وأستاذ جامعيّ وصحافيّ، يكتب في جريدة “النهار”. بهذا الكتاب، يكون قد أصدر إلى الآن أربع عشرة مجموعة شعريّة، وله قصائد مترجمة إلى عددٍ من اللغات الأجنبية، ومنشورة في أنطولوجيّات عالميّة.
أعماله الشعريّة:
آب أقسى الشهور يشعل الليلك في الأرض الخراب، دار نلسن، 2021.
الرابع من آب 2020، شرق الكتاب، بيروت، 2020.
L echapee – l orient des livres – beyrouth – 2016
سكايبينغ، هاشيت/ أنطوان، بيروت، 2013.
وثيقة ولادة، دار الساقي، بيروت، 2011.
إنجيل شخصي، دار النهار للنشر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2009.
سماء أخرى، مختارات شعرية، دار ميريت، القاهرة، 2002.
سراح القتيل، دار النهار للنشر، بيروت، 2001.
افتحي الأيام لأختفي وراءها، دار النهار للنشر، بيروت، 1998.
مقام السروة، دار النهار للنشر، بيروت، 1996.
لم أدعُ احداً، دار الجديد، بيروت، 1994.
تحت شمس الجسد الباطن، دار النهار للنشر، بيروت، 1991.
قراءة الظلام، دار بيبلوس للنشر والتوزيع، بيروت، 1986.
المتكئة على زهرة الجسد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985.
ماحياً غربة الماء، دار النهار للنشر، بيروت، 1981

اترك تعليق