المهرِّب “الخدّاع” يوهم اليائسين الحالمين برحلة آمنة.. إلى المجهول!

عند الساعة الرابعة من فجر الأربعاء في الواحد والعشرين من سبتمبر أبحر مركبٌ آخَر نحو الموت من على شواطئ عكار متجهاً نحو سواحل اليونان.

ركابه لم يُعرف عددهم بالتحديد لكن ما هو أكيد أنهم فاقوا العدد الذي وَعد به المهرّب. أكد لهم أنه لن يحمل في قاربه أكثر من خمسين شخصاً كحد أقصى وربما يصل العدد إلى سبعين إذا إضطره الأمر. وثقوا به فهو «مهرِّب» صاحب خبرة وقد «سيّر رحلات عدة» سابقاً وصلت الى شواطئ أوروبا. ولمزيد من الإقناع أوْهمهم بأن عائلته ستكون أيضاً على متن القارب وان ابن القبطان سيكون برفقته… تركوا أهلاً وعائلات وأحبة ومضوا واثقين إلى… حتفهم.

قصةٌ باتت من يوميات اللبنانيين، ومراكب الموت صارت كأنها قَدَر لم يعد منه مفر أمام المقهورين… لم يشأ محرومو سكان منطقة الشمال اللبنانية، بكل أطيافهم، لبنانيون وسوريون وفلسطينيون أن يتّعظوا من مآسٍ سابقة حصلت في البحر وما زال ضحاياها في أعماقه. فالمآسي التي تحاصر كل لحظات حياتهم أصعب من الموت. أرادوا تحدّي مصيرهم علهم يغلبونه هذه المرة. مراكب عدة وصلت إلى بر الأمان وحملت المهاجرين إلى عالم مفتوح على الأمل، لِمَ لا يكونون من بينها؟ أرادوا أن يجربوا حظهم مُطْمَئنين إلى كلامٍ معسولٍ قاله أحد تجّار البشر… على متن المركب عدد السوريين والفلسطينيين يفوق عدد اللبنانيين، 155 شخصاً العدد الإجمالي بحسب ما رست آخِر الأخبار. أخذوا الاحتياطات البديهية، حَمَلوا معهم كميات كبيرة من الطعام تكفيهم مدة الرحلة وتفيض، وتزوّدوا بسترات نجاة وانطلقوا قبل شروق الشمس بقليل.ربما كانوا يرتاحون بعد ليلِ الهروب الطويل أو يتسامرون ويتبادلون الكلامَ عن الأحلام التي تنتظرهم هناك في البر الأوروبي الممتلئ وعوداً، لكن عند نحو الساعة الثامنة صباحاً «فقع» المركب على حد قول أحد الناجين.

الأمواجُ العاتية التي رافقت طقسَ الأيام الماضية ارتطمتْ به، تَكَسَّرَ وبدأ يغرق. طُلب من الرجال الذين يجيدون السباحة أن يلقوا بأنفسهم في البحر ويخلوا المركب وفق ما روى الناجي أمجد البوبو لخالته مريم التي تواصلت «الراي» معها. وبقي مَن لا يجيد السباحة من نساء وأطفال على متنه.

لم يكن المركب المشؤوم في مساره المتوقَّع نحو أوروبا، بل كان مقابل جزيرة أرواد في محاذاة طرطوس السورية. كيف وصل إلى هناك وهي منطقة خارج مساره؟ وألم يكن حرياً به أن يقطع مسافة أطول في أربع ساعات؟ وكيف لم يستطع القبطان المدرَّب ومعه القبطان البديل أن يواجها أمواج الصيف بخبرتهما البحرية؟ أسئلةٌ ما زالت الأجوبة عنها غامضة وربما لا يكون لها جواب. أم أن الجواب القاسي الوحيد هو أن «الحمولة»… تلك الحمولة التي من لحم ودم فاقت قدرته على العوم وشدّت به نحو الأعماق؟

«خمسون ساعة أمضاها أمجد في البحر»، تروي الخالة مريم لـ «الراي». رأى أخاه عزمي ووالده أحمد يسبحان معه في البحر ثم فرّقتهم الأمواج ولم يعد يراهم إلى أن انتشلتْه من البحر سفينة سورية ونقلتْه إلى مستشفى في مدينة طرطوس. وتقول: «حين سمعنا بمركب غارق خفنا بدايةً وتواصلنا مع الأشخاص الذين تولوا عملية تهريبهم، فكان جوابهم «قَطَعوا» أي أنهم تجاوزوا منطقة الخطر وهم في طريقهم إلى اليونان. وفي اتصال آخَر أكدوا انهم وصلوا إلى اليونان. شقيقتي أحلام اشتعل قلبها خوفاً وقلقاً على زوجها وإبنيها لكنها إطمأنت حين سمعتْ كلام المهرِّبين. إلى أن جاء اتصالٌ من أمجد يقول فيه لأمه إنه بخير وهو في المستشفى لكنه متعَب لأنه سبح خمسين ساعة. عندها تَكَشَّفْتْ أولى خيوط المصيبة».

أحد المصادر في مدينة طرابلس أكد لـ «الراي» أن القضية غامضة فبعض مَن نجوا يقولون إن ثمة مركباً أنقذ بعض مَن كانوا في البحر، رآه الناجون وأكدوا على ذلك لكن لم يُعرف حتى الآن مصير مَن كانوا على متنه، ولا أين هم الآن.

ويتساءل المصدر: هل غرق بدوره أم أن السلطات السورية احتجزت مَن كانوا على متنه لأن غالبيتهم لا يملكون هويات؟ الأمر مبهم لكن ربما يكون مجرد خبر كاذب من تلك الأخبار التي تُرافِق كل مأساة وتحاول ضخ الأمل في نفوس أهل الضحايا…

وزير الصحة السوري حسن محمد الغباش كان أكد أن ضحايا المركب بلغوا 77 و20 شخصاً يتلقون العلاج في مشفى «الباسل» فيما آخر الأخبار رفعت العدد إلى 91 ضحية ونحو 50 مفقوداً. تسع جثث لسبعة لبنانيين وفلسطينييْن نقلتْها سيارة الإسعاف إلى لبنان عبر معبر العبدة الحدودي مساء الجمعة وسط تجمع لأهالي الضحايا المفجوعين لا سيما الفلسطينيين منهم. 37 عدد الفلسطينيين الذين ركبوا متن قارب الموت كما قال أحد الموجودين على المعبر الحدودي غالبيتهم من مخيم نهر البارد في الشمال قرب طرابلس، وعدد قليل منهم من مخيمات بيروت. وهم شكلوا إلى جانب السوريين غالبية عدد ركاب القارب فاتّحدوا في الموت كما اتحدوا في اللجوء والفقر. صباح الجمعة كانت وصلت إلى بلدة قرقف العكارية جثتا الطفلتين مي ومايا التلاوي اللتين قضتا على مركب الموت ولم يتم العثور على والدتهما سلمى وشقيقيهما محمود وعمار فيما جرى إنقاذ والدهما وسام. والأب المفجوع لم يعرّض حياة عائلته للخطر عن عبث هو الذي تراكمت عليه الديون فأراد أن يفرّ بها نحو غدٍ قد لا يكون أفضل لكن يبقى فيه بصيص أمل يفتقده في بلده هو الذي يعمل كعامل نظافة لا يتجاوز راتبه 30 دولاراً في الشهر كما يقول شقيقه وقد باع كل ما يملك لتأمين كلفة السفر.
لوعة الأهل على مَن فقدوا لا يوازيها سوى الغضب على دولةٍ تدفع بمواطنيها إلى الموت بأرجلهم. مصطفى مستو والد لثلاثة أطفال حمل زوجته وأطفاله الثلاثة دنيا وديار ورويدا في رحلةٍ ظنّها تحمل أملاً، لكن البحر إبتلع حلمه وحياته وحياة أطفاله. وُجدت جثثهم بين جثث الضحايا فيما نجت زوجته. ولكن أي نجاة لأم فقدت الزوج وفلذات الكبد؟ وكيف تنجو من براثن الحزن والذنب واللوعة الدائمة؟ وأي لوعة لأم مصطفى الثكلى التي فقدت ابنها وأحفادها دون أن تودّعهم بعدما حمل مصطفى عائلته وحاول السفر خلسة دون أن يخبر أحداً؟ ومساء الجمعة شُيعت العائلة في طرابلس وسط إطلاق نار وهتافات تندد بدولة فاشلة تقتل مواطنيها مئة مرة في اليوم قبل أن تدفعهم للإنتحار الطوعي في مراكب الموت.

عبد العال عبد العال أحد الضحايا الفلسطينيين الذي وصلت جثته مساء الجمعة ضمن موكب الجثامين إختصر برحيله كل مأساة اللجوء الفلسطيني في لبنان. والده فجّر حزنه غضباً جارفاً، وعلى الشاشة ارتفع صوته هاتفاً: عندي خمسة أولاد وكل يوم سأرسل واحداً منهم حتى ولو لاقوا مصير أخيهم إن لم يفتحوا لنا بابَ الهجرة الشرعية.

عبد العال حاول السفر 14 مرة وفشل لكن هذه المرة فشله كان طريقه إلى الخلاص من حياةٍ لم تعد تُحتمل وفق ما يقول والده. «نحن الفلسطينيين نعيش في لبنان تحت الصفر والحرمان لم يعد يُحتمل وبعدكم عم تسألوا ليش سافر وليش بدي أبعت ولادي كلن؟» الهدف لم يعد خافياً على أحد، كلهم يهربون من جحيم الحياة اليومية التي يتخبط في نارها أبناء لبنان والمقيمون على أرضه من لاجئين سوريين وفلسطينيين.

خالة أحد الضحايا فتحت قلبها لـ«الراي» وروت أن ابن اختها سوري الجنسية وقد سعى للسفر هرباً من الخدمة العسكرية في البلد الذي فرّ منه فكان الغرق في البحر مصيره… رغد محمود الحكيم شابة سورية خرّيجة كلية الهندسة لهذا العام في «جامعة تشرين» هي أيضاً من ضحايا قارب الموت وخطيبها عبدالله جرجور الذي كان معها ما زال في عِداد المفقودين.

لم ترَ رغد مستقبلاً لها في بلادها المنكوبة وهي التي جاهدتْ لتحصل على شهادتها، عرفتْ بلا شك أن المستقبل في بلادها المسكونة بالكوابيس له طعْم مُرّ… وتطول لائحة أسماء الضحايا والمفقودين ووجوه الأهل المنتظرين خبراً، وتعلو الأصوات الغاضبة وأصوات المسؤولين المستنكرة لتخبو في القريب العاجل بعد أن يدير الناس ظهورَهم ويعودوا إلى يومياتهم الذليلة وكأن الموت، موت الأطفال والشباب صار خبراً عادياً في وطن تحوّل… جهنماً. أرقام كثيرة يتم تداولها عن المبالغ التي يدفعها المهاجرون للمهرّب. مصدر في طرابلس كشف لـ«الراي» أن المبالغ تراوح بين أربعة إلى ستة آلاف دولار وذلك وفق عدد أفراد العائلة. فالعائلة المؤلفة من ثلاثة أشخاص تدفع 4000 دولار على كل فرد منها فيما يصل المبلغ إلى 5000 للشخص إذا كانت من شخصين ليبلغ 6000 للشخص المسافر وحيداً.

أرقام صادمة تفتح الباب على ألف سؤال: مَن يدير الظهر لتجارة الموت الرابحة؟ وتحت أي حماية تعمل مافيات التهريب التي لم تعد خافية على أحد؟ ما سرّ التراخي المحلي أو حتى الأوروبي حيالها؟ وهل صار لبنان عن قصد مصدراً للهجرة غير الشرعية في المتوسط كتلك البلدان الأفريقية التي كنا نسمع عنها سابقاً؟ تتعدد الخلفيات لكن يبقى ثابتٌ واحد… أنه الفرار من الجحيم في لعبة مميتة على طريقة… «الروليت الروسية».

اترك تعليق