حكومة ميقاتي تسطو على الرواتب

تنتاب موجة غضب موظّفي القطاع الخاص وأرباب العمل والهيئات الاقتصادية، مع دخول ضريبة الدخل على الرواتب المصروفة بالدولار حيّز التنفيذ اعتباراً من بداية الشهر الحالي، وبمفعول رجعي يعود إلى الأوّل من شهر كانون الثاني 2022.

ليست هذه الضريبة مجحفة وقصيرة النظر فحسب، بل تُظهر الأهميّة التي توليها السلطة للقطاع العام على حساب القطاع الخاص الذي يمثّل خشبة الخلاص للاقتصاد اللبناني، بل تُهدّد بتدمير ما بقي من الاقتصاد، وبهروب الطاقات البشرية ذات الكفاءات القادرة على رفد الداخل اللبناني بالعملات الصعبة.

أكثر من ذلك، تُظهر حجم التخبّط الذي تغرق فيه الحكومة وغياب التفكير الاستراتيجي عن عقول صانعي القرارات فيها ممّن لا يرون إلّا في فرض “الضرائب ثمّ الضرائب” نهجاً وملاذاً وحيدَيْن للاستمرار في دفع رواتب القطاع العام الذي يعجّ بمعظمه بالمحسوبيّات و”العواطليّة”.

كيف تُحتسَب هذه الضريبة؟ ومن هم المتضرّرون منها؟ وما هي أوجه قصورها وأضرارها على الاقتصاد اللبناني؟

بداية، حدّدت وزارة المال طريقة استيفاء الضريبة من خلال تحويلها إلى الليرة اللبنانية على أساس سعر منصّة “صيرفة”، بعد تنزيل أجزاء الراتب المسموح بتنزيلها، وطرح التنزيل العائلي المتوجّب للمستخدَم، ورفعت 3 أضعاف قيمة الشطور الضريبية التي أصبحت على الشكل التالي:

– 2% على الرواتب التي تقلّ عن 6 ملايين ليرة.

– 4% على الرواتب التي تراوح بين 6 و15 مليون ليرة.

– 7% على الرواتب بين 15 و30 مليون ليرة.

– 11% على الرواتب بين 30 و60 مليون ليرة.

– 15% على الرواتب بين 60 و120 مليون ليرة.

– 20% على الرواتب بين 120 و225 مليون ليرة.

– 25% على الرواتب التي تفوق قيمتها 225 مليون ليرة.

آليّة الاحتساب

بمعنى أوضح، يقع الراتب الذي تبلغ قيمته 500 دولار ضمن “الشطر الثالث” (7%)، وسيكون صاحبه ملزماً بدفع ضريبة شهرية تساوي 1.06 مليون ليرة (أي ما يعادل 35 دولاراً على سعر منصة “صيرفة”).

أمّا إذا كان راتب الموظّف 1,000 دولار فسيدفع شهرياً 3.3 ملايين ليرة (110 دولارات). قد تبدو هذه الأرقام مقبولة لو كانت الرواتب تتوقّف عند هذه السقوف، لكنّ هذه الأرقام تصبح مخيفة حين يفوق الراتب 3 آلاف دولار، وهي رواتب ليست قليلة، خصوصاً لدى الشركات الأجنبية التي ترفد الاقتصاد بالعملات الصعبة وتحمي ما بقي منه من الانهيار.

فمن يتقاضى 3 آلاف دولار فسيدفع 13.6 مليون ليرة ($450)، ومن يتقاضى 5 آلاف فستكون ضريبته 30 مليوناً (1,000 دولار)، ومن يتقاضى 8,000 دولار فسيدفع من راتبه شهريّاً 60 مليوناً (2,000 دولار على سعر “صيرفة” أو 1,500 دولار على سعر “السوق السوداء”).

7 مساوىء تفوت الحكومة

1- بغياب الرقابة واستشراء التهرّب الضريبي، ستطال هذه الآليّة حصراً الشركات النظامية التي تصرّح عن عدد موظّفيها ورواتبهم بالدولار بشكل منتظم، فيما لن تطال موظّفي الشركات التي تعتمد التعاقد الحرّ أو الـ”Freelance” أو التي لا تصرّح فعليّاً عن طبيعة رواتب موظّفيها وأحجامها. ولذا سيكون تهرّب جزء كبير من هؤلاء أمراً واقعاً.

2- ستفتح المجال أمام الكثير من الشركات للتحوّل من “الاقتصاد الشرعي” إلى “غير الشرعي” باعتماد وسائل أخرى لدفع الرواتب غير المصارف، مثل دفع الرواتب بالدولارات “الكاش” أو عبر شركات تحويل الأموال، من أجل إغفال التصاريح الفعليّة وتلافي الإعلان عن أحجام رواتب الموظّفين الحقيقية أو مطالبتهم بزيادة الرواتب لسدّ النقص، بل ربّما تدفع بعض الشركات نحو التفكير بالتحوّل إلى دفع الرواتب بالليرة اللبنانية، أو حتى الإقفال وتسريح الموظّفين.

3- ستحفّز الشركات على الهرب من لبنان نحو الدول المجاورة مع موظّفيها، خصوصاً أنّها تملك الموارد لفعل ذلك، ما دامت تدفع لموظّفيها بالعملة الصعبة، وستتأثّر من خلال إلزامها بسداد تعويضات نهاية الخدمة والضمان الاجتماعي وفق الضريبة الجديدة، لأنّ قيمة الرواتب الفعليّة على سعر “صيرفة” باتت أعلى ممّا كانت عليه على سعر الصرف الرسمي (1,500 ليرة).

4- ستدفع أصحاب الكفاءات والخبرات لأنّهم يتقاضون رواتب بالعملات الصعبة إلى الهجرة أو العمل في الخارج، أو حتى فتح حسابات مصرفية في الخارج وتحويل الرواتب إليها، وهو آخر ما نحن بحاجة إليه في ظلّ النزف البشري الواقع أصلاً نتيجة الوضع الاقتصادي السيّىء.

5- ستُلحق بالقطاع المصرفي المنهار أضراراً ، خصوصاً مع بحث الشركات والموظّفين عن آليّات دفع أخرى، ومن خارج المصارف. وستدفع أكثر وأكثر نحو “اقتصاد الكاش” الذي نشكو منه أصلاً بوصفه “آفة” أو “عدوّاً” للاقتصادات السليمة.

6- تخرق عرفاً من أعراف الماليّة العامة المتّفق عليها ضمناً في لبنان، وذلك بإلزام الشركات بدفع الضريبة بمفعول رجعي. فالمتعارف عليه أنّ “المفعول الرجعي” غالباً ما يتعلّق بالحقوق (الزيادات على الرواتب، أو التعويضات) لا الواجبات المفروضة على المكلّفين لصالح الدولة.

7- تتّسم بالـ”لامساواة” والـ”لامنطق”، لأنّ ضريبة الدخل ستكون ثابتة بالنسبة إلى الموظّف الذي يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية، بينما ستكون متحرّكة بالنسبة إلى ذاك الذي يتقاضى راتبه بالدولار، ما دام سعر منصّة “صيرفة” متحرّكاً ويخضع لحسابات غير مفهومة. بمعنى آخر، إذا ارتفع سعر “صيرفة” فسترتفع الضريبة على الراتب بالدولار من دون أن ترتفع على الراتب بالليرة. أمّا إذا قرّر مصرف لبنان اليوم التدخّل في السوق من أجل خفض سعر صرف الدولار، فهذا سيضرّ بإيرادات وزارة المالية.

يؤكّد كلّ هذا أنّ السلطة والإصلاح “خطّان متوازيان لا يلتقيان”. فبدل أن تبحث عن وسائل مساعدة في زيادة الاستثمارات وجذب العملات الصعبة إلى الداخل، تفعل العكس: تُهرّب الشركات التي تدفع بالدولار، و”تُطفّش” النُخب وأصحاب الكفاءات، ملحِقةً بمن بقي من الطبقة الوسطى المزيد من الفقر. بل لا تجد سوى الضرائب وسيلة لسدّ العجز في دفع رواتب القطاع العام الذي أُتخم بالعاطلين عن العمل والمحسوبيّات، ثمّ ترفض ترشيقه والتخفيف من أعبائه!

اترك تعليق