في ظلّ الحرب الإسرائيلية المفتوحة من جهة واحدة ضدّ لبنان، و”ضمّ” العدوّ الضاحية الجنوبية إلى بنك أهداف اغتيالاته، الذي كرّسه منذ لحظة توقيع قرار وقف إطلاق النار، يزداد الضغط الأميركي – الإسرائيلي على الداخل اللبناني لمحاصرة “الحزب” ونزع سلاحه. ربّما أهمّ ما سجّلته الأيّام الماضية على مستوى هذا الملفّ هو الموقف المتقدّم لرئيس الجمهورية جوزف عون الذي أعلنه من باريس بعد لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حيال رفع المسؤوليّة عن “الحزب” ونفي تورّطه بإطلاق الصواريخ، وتسليمه بأنّ النقاط الخمس المحتلّة من قبل إسرائيل وتسليم الأسرى لا يحتاجان إلى لجان منفصلة، كما طالب الجانب الاميركي، فيما يمكن حصر التفاوض غير المباشر مع إسرائيل بمسألة تثبيت النقاط الـ 13 المتنازع عليها بين الطرفين. أمّا التطوّر الأبرز فهو بروز مطلب خارجي وداخلي لإقرار الحكومة خطّة لجدولة نزع سلاح “الحزب”.
بعد لقاء باريس، لم يصدر أيّ موقف أميركي رسمي حيال مصير اللجان التي تحدّثت عنها قبل نحو شهر نائبة المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، مُطلقةً يومها مرحلة “الحلّ السياسي والدبلوماسي البحت حول الإشكاليّات الثلاث العالقة مع إسرائيل، بالتعاون مع فرنسا والأمم المتحدة”.
وفق المعلومات، لم تضع واشنطن حتّى الآن مهلاً زمنيّة تُلزم بها الجانب اللبناني ببدء تشكيل هذه اللجان، وموعد انعقاد اجتماعاتها أو مكانها. لكنّ هناك مناخات عامّة تتحدّث عن ضغط أميركي للتسريع بتشكيل هذه اللجان، وتشير إلى تقصير رئاسي في تشكيلها، وعدم ممارسة الضغط الكافي على “الحزب” لتسليم سلاحه، واستياء من مواقف عون التي أطلقها من قصر الإليزيه. في هذا السياق، تجزم مصادر موثوقة لـ “أساس” بأنّ “منبع هذه التسريبات داخليّ، وليس خارجيّاً، ولحسابات سياسية ترتبط بالمعركة حول حاكمية مصرف لبنان”.
يتحدّث مطّلعون عن زيارة مرتقبة لأورتاغوس لبيروت تحمل “أجندة” ضغط لتسليم السلاح، وتشكيل اللجان الثلاث، والشروع في التفاوض
أورتاغوس زارت إسرائيل سرّاً
إلى ذلك، لم يتلقّ الجانب الرسمي اللبناني، حتّى يوم أمس، خبراً بموعد زيارة قريبة لأورتاغوس لبيروت، فيما تفيد المعلومات بأنّها قد تكون زارت تل أبيب، بعيداً من الإعلام وبشكل سرّيّ، ولم تضع بيروت ضمن حساباتها.
بين الطرح الأميركي في شأن تشكيل “مجموعات العمل الدبلوماسية الثلاث”، كما سمّتها أورتاغوس وربطتها بقرار الرئيس عون بتبنّي الخيار الدبلوماسي في ما يتعلّق بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وبين الطرح الرئاسي اللبناني المتوافَق عليه بين الرؤساء عون ونوّاف سلام ونبيه برّي، يمكن الحديث عن “حالة مراوحة” غاب خلالها الأميركي عن السمع، بما في ذلك مبعوث الرئيس دونالد ترامب الخاصّ إلى المنطقة ستيف ويتكوف.
أورتاغوس
ثمّة من يتحدّث في هذا السياق عن انشغال الرئيس دونالد ترامب بملفّات أكثر أولويّة لواشنطن من لبنان تبدأ بإنهاء حرب أوكرانيا وعقد اتّفاق مع روسيا، ولا تنتهي بالمفاوضات مع إيران، و”حرب” فرض الرسوم الجمركية، ووقف نفوذ الصين الاقتصادي. وفي الوقت الضائع، “تفظّع” إسرائيل تنكيلاً باتّفاق وقف إطلاق النار، فيما لجنة المراقبة الخماسية، المعروفة بـ “الآليّة”، أُحيلت إلى التقاعد بقرار أميركي -إسرائيلي. مع ذلك، يتحدّث مطّلعون عن زيارة مرتقبة لأورتاغوس لبيروت تحمل “أجندة” ضغط لتسليم السلاح، وتشكيل اللجان الثلاث، والشروع في التفاوض.
بين عون والأميركيّين
إذاً لا جواب لبنانيّاً في شأن “الضغط الأميركي المعمّم” بوجوب السير باللجان الثلاث “فوراً” سوى المعادلة التي طرحها الرئيس عون. مصادر مطّلعة أكّدت لـ “أساس” أنّ “الرئيس عون لم يفاجئ الأميركيين بطرحه في شأن اللجان، إذ أبلغ سابقاً الموفدين الأميركيين والفرنسيين بذلك على قاعدة التعاون الكامل لاسترداد الحقوق والتفاوض حول مطالب متبادلة لا تدخل ضمنها النقاط الخمس المحتلّة وملفّ الأسرى لأنّ لبنان لا يحتلّ أراضي إسرائيلية، وإسرائيل ليس لديها أسرى في لبنان، لكن يمكن طبعاً إنشاء لجنة لتنظيم التسليم مثلاً. ولذا التفاوض جائز حول النقاط الحدودية الـ 13 العالقة مع إسرائيل من أجل تثبيتها لا إعادة ترسيمها”.
تفيد المعلومات بأنّ الدوائر الرئاسية مرتاحة لموقف “الحزب” المُعلن لجهة رهانه المستمرّ على “الدولة ومسارها الدبلوماسي”
أضافت المصادر: “هذه الحدود التي طرأت عليها منذ 1923 أقلّه أربعة تغييرات: بين 1947 و1949، ثمّ من 1949 إلى عام 2000، ثمّ في عام 2006، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة. يمكن بالتأكيد تشكيل لجنة تفاوض في شأن تثبيت النقاط المتنازع عليها. هنا يمكن من خلال هذه اللجنة حلّ مسألة احتلال إسرائيل للمواقع الخمسة بعد انسحابها من لبنان، تماماً كما حصل في ملفّ الحدود البحرية”، مشيرة إلى أنّ “الفرنسيين يتبنّون هذا الطرح بالكامل، وكذلك الجانب السعودي المنشغل أكثر في مراقبة الخطوات الإصلاحية داخليّاً، التي هي ممرّ حتميّ قبل البدء بورشة إعادة الإعمار وإطلاق العجلة الاقتصادية والاستثمارية”.
لا خيار لـ”الحزب”
في السياق نفسه، تفيد المعلومات بأنّ الدوائر الرئاسية مرتاحة لموقف “الحزب” المُعلن لجهة رهانه المستمرّ على “الدولة ومسارها الدبلوماسي”. ربّما منبع الارتياح الأساس ينبع، كما يقول مطّلعون، “من أنّه لا خيار آخر لـ”الحزب” أصلاً، والمسار العسكري غير مطروح إطلاقاً. وحتّى إنّ الرئيس برّي يستبعده تماماً”.
لكن هنا تحديداً تبرز وجهة نظر رسمية تفيد بالآتي: “مع تنصّل الجميع من مسألة إطلاق الصواريخ، ونفي “الحزب” لوقوفه وراء هذه الأعمال، ومع وجود إجماع على كون لبنان متضرّراً من هذه الأعمال المشبوهة، ألا يجدر أن يُشكّل ذلك منطلقاً لإيجاد إجماع مماثل في ما يتعلّق بمصادرة كلّ سلاح، أينما وجد، ولأيّ فريق كان، ممكن أن يستخدم ضدّ مصلحة الدولة ومن قبل جهات مشبوهة”.
وفق المعلومات، لم تضع واشنطن حتّى الآن مهلاً زمنيّة تُلزم بها الجانب اللبناني ببدء تشكيل هذه اللجان، وموعد انعقاد اجتماعاتها أو مكانها
250 مداهمة
في هذا السياق، تفيد الوقائع بأنّ “الجيش اللبناني يقوم بمهامّه، وحتّى الآن نفّذ ما يقارب 250 مداهمة جنوباً، جرى بعدها تفجير السلاح “التالف” أو خارج الخدمة، وأُبقي على السلاح الذي لا يزال بحالة جيّدة وجاهز للاستخدام. فإذا كانت هناك فعلاً نيّة لعدم توريط لبنان، واستجرار ردّات فعل تدميرية من قبل الإسرائيلي، يجب أيضاً دعم الشرعية في مصادرة كلّ السلاح في كلّ المناطق. لكن، وفق المعطيات، لا تزال بعض محاولات نزع السلاح في بعض المناطق تصطدم بمعوّقات، وهو ما يؤدّي إلى تأخير تنفيذ هذه المهامّ كما هو مطلوب”.
خطّة حكوميّة لسحب السّلاح؟
تذهب بعض الجهات السياسية إلى حدّ طرح مقاربة أكثر حساسيّة عبر القول: “هناك قرار أمميّ بوقف إطلاق النار، وهناك خروقات إسرائيلية متكرّرة له، وهناك ضغط دبلوماسي في ملفّ السلاح، فما الذي يمنع إقرار مجلس الوزراء خطّة عملانية (بالتزامن مع انعقاد المجلس الأعلى للدفاع) لتحديد مهل متدرّجة لنزع السلاح من دون أن يؤدّي ذلك إلى صدام داخلي. فالموقف الرئاسي الثلاثي المُعلن حول المسار الدبلوماسي يجب أن يُعزَّز بإجماع وطني يعكسه مجلس الوزراء”. وهي مطالبة تضع الكرة في ملعب رئيس الحكومة نوّاف سلام.