وفد أمني في سوريا: الحدود أوّلاً

منذ الزيارة الأولى، والأخيرة، لرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي لسوريا، التي سبقت بساعات تكليف نوّاف سلام تأليف الحكومة الجديدة، إلى اللقاء الذي جَمَع رئيس الجمهورية جوزف عون مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش القمّة العربية في القاهرة، إلى الوفد الأمنيّ الثلاثي الذي يزور سوريا اليوم، يتقدّم الداخل اللبناني خطوات باتّجاه التعاطي الرسمي مع “سوريا الشرع”، من دون أن ينعكس ذلك انفراجاً على الملفّات العالقة بين البلدين، وأخطرها ملفّ الحدود و”قنبلة” النازحين.

يرأس وزير الدفاع ميشال منسّى اليوم وفداً أمنيّاً، يضمّ للمرّة الأولى المدير العامّ للأمن العامّ اللواء حسن شقير (رافق سابقاً ميقاتي في زيارته لسوريا من موقعه نائباً للمدير العامّ لأمن الدولة)، ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي.

سيلتقي الوفد اللبناني وزير الدفاع السوري في الحكومة الانتقالية مرهف أبو قصرة، المعروف سابقاً بـ”أبي حسن الحموي”، القائد السابق للجناح العسكري لهيئة تحرير الشام. وأبو قصرة، المولود في حماه، يعتبر من الشخصيّات المقرّبة من الشرع، وكان من أبرز القادة الميدانيين ضمن التنظيمات الإسلامية المتشدّدة.

أبلغ رئيس الجمهورية القادة الأمنيّين بفحوى الزيارة وتوقيتها، في اجتماع بعبدا الأمنيّ الأخير. وفق المعلومات، سيواظب الرئيس عون على هذا الاجتماع دوريّاً، لإبقاء التنسيق المُباشر قائماً بين رئيس الجمهورية وقادة الأجهزة ولو بحضور وزيري الدفاع والداخلية، فيما لوحظ عدم استجابة عون لـ “نداء” رئيس الجمهورية السابق ميشال عون حين دعا “من هم في موقع المسؤولية” إلى عقد المجلس الأعلى للدفاع للبحث في الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة، وملفّ الحدود الشرقية، إثر المواجهات الأخيرة، ومسألة النازحين، مع العلم بأنّ في اجتماع عون والشرع، في 4 آذار الجاري، تمّ الاتّفاق على تأليف لجان مشتركة بين الجانبين، بعد تأليف الحكومة السوريّة الجديدة.
حاليّاً، هناك حشود عسكرية من الجانبين على الحدود الشرقية. ويتمركز الجيش اللبناني في الجزء اللبناني من منطقة حوش السيّد علي التي شهدت المواجهات الأخيرة

ملفّ أمنيّ إلى سوريا

تقول مصادر مطّلعة لـ “أساس” إنّ “الجانب اللبناني أعدّ ملفّاً أمنيّاً متكاملاً لزيارة ذات محاور عدّة تشمل بشكل أساس ملفّ الحدود، خصوصاً بعد المواجهات الأخيرة بين الجيش السوري التابع للإدارة الجديدة، ومن ضمنه هيئة تحرير الشام، والجيش اللبناني والعشائر البقاعية، وهو ما دفع الحكومة اللبنانية إلى تشكيل لجنة وزارية مهمّتها اقتراح التدابير اللازمة لضبط الحدود، ومراقبتها، ومكافحة التهريب، ورفع المقترحات إلى مجلس الوزراء. وكان من نتائج هذه المواجهات، إفراغ مناطق كاملة، من ضمن البقع المتداخلة مع الجانب السوري، من أبنائها اللبنانيين الذين يسكنون منذ عقود طويلة في بلدات تابعة بجزء منها للدولة السورية”.

تعتبر أحداث بداية آذار الجاري، التي أثمرت اتّفاقاً لوقف إطلاق النار بعد تواصل بين وزيرَي الدفاع وضابطَي الارتباط في البلدين، بمنزلة جولة ثانية بعد جولة سابقة أعقبت سقوط النظام السوري وشكّلت بداية تهجير واسع للّبنانيين باتّجاه العمق البقاعي.

يعوّل الجانب اللبناني على أن تشكّل زيارة اليوم حدّاً فاصلاً مع توتّرات الأشهر الماضية، في وقت يتصرّف فيه الجانب السوري من منطلق أنّ الحدود الشرقية، والشمالية الشرقية، لا تزال بقعة نفوذ لعناصر “الحزب” أملت عليه تنفيذ عمليّات أمنيّة وإنشاء نقاط حدودية في القصير في ريف حمص الغربي تحت عنوان “توقيف عصابات تهريب المخدّرات، وضبط السلاح، وتطويق حركة من يُعتبرون أنّهم يأتمرون بأوامر “الحزب””.
مصادر مطّلعة: ملفّ ترسيم الحدود أمنيّ وتقنيّ وسياسيّ بامتياز، ويفترض أن تتوافر له مناخات سياسية مؤاتية ترتبط بأزمة مزارع شبعا

انتشار عسكريّ على الحدود

حاليّاً، هناك حشود عسكرية من الجانبين على الحدود الشرقية. ويتمركز الجيش اللبناني في الجزء اللبناني من منطقة حوش السيّد علي التي شهدت المواجهات الأخيرة، حيث أقام حاجزاً على مدخل البلدة، ويسيّر دوريّات بشكل دائم داخلها. فيما يتمركز الجيش السوري في الجزء السوري منها بعد تهجير سكّانها اللبنانيين.

بعد المواجهات الأخيرة تمّ استقدام تعزيزات عسكرية إلى الهرمل من فوج المجوقل واللواء التاسع المنتشر أساساً في البقاع واللواء السادس، إضافة إلى فوج الحدود. وحاليّاً، يُعزّز الجيش انتشاره في غالبيّة البلدات الحدودية والمعابر، سيّما حوش السيّد علي، مطربا، قبش، المشرفة والقاع (فوج الحدود البرّي الثاني)، فيما يتوزّع اللواء التاسع واللواء السادس في سهلات الماي، معبر العريض، الهق، الشربين، الدورة، حاجز العاصي، رأس بعلبك، قنافذ، القصر، القاع والحوش.

كان لافتاً أنّه منذ الأوّل من آذار تمّ إقفال 17 معبراً غير شرعي معظمها في مشاريع القاع، القصر، مطربا وحوش السيّد علي، فيما كان الجيش يعيد إقفال بعضها بعد محاولات لفتح المعابر.

لكن مع ذلك تقول المعلومات بأن الحدود الشمالية مع سوريا تشهد فلتاناً كبيراً لناحية التهريب وتدفق النازحين من دون رادع، مع حريّة تحرّك كبيرة للعصابات المسلّحة، في المقابل تبدو الحدود الشرقية كالنار تحت الرماد، سيّما وأنّ بلدات التماس الشيعية مع سوريا تتعرّض بشكل دائم لإطلاق الرصاص، والخلافات الحدودية تكاد تكون شبه يومية.

الشّرع لميقاتي: الودائع السورية مقابل النازحين..

لبنان الذي يتشارك أكثر من 330 كلم مع سوريا، يسعى إلى البدء بوضع ملفّ ترسيم الحدود على الطاولة تطبيقاً للقرار 1680 الصادر عام 2006، مع العلم أنّ الوفد اللبناني الرسمي الذي زار سوريا برئاسة ميقاتي في كانون الثاني الماضي لَمَس رغبة بتأجيل ملفّ ترسيم الحدود في الوقت الراهن بسبب تعقيداته، فيما انصبّ اهتمام الشرع أكثر على مسألة سلاح “الحزب” في الداخل، قائلاً بشكل مباشر لميقاتي: “لا يمكنكم التذرّع دائماً بموضوع الهاجس من الحرب الأهلية كلّما يُطرح موضوع سحب سلاح “الحزب” من كلّ الأراضي اللبنانية، وإلّا فلن تتمكّنوا أبداً من بناء الدولة”، وذلك بعدما قال ميقاتي للشرع إنّ “سحب السلاح سيكون موضوع حوار، ولا أحد منّا يريد مشكلاً داخلياً”.

اترك تعليق