باختصار، الوضع برمّته ليس مطمئناً. وما تقوم به إسرائيل من اعتداءات شبه يومية، لم توفّر بيروت من حممها، ليس مفاجئاً بالنسبة للدول المعنيّة بالملفّ اللبناني، لأنّ إسرائيل سبق أن أبلغت عواصم القرار أنّها لن تتوقّف عن استهدافاتها ما دامت لم تتأكّد من نزع سلاح “الحزب” على نحو كامل، غير مجتزأ، كما تكشف مصادر دبلوماسية أوروبية رفيعة المستوى، طالما أنها تشعر بالتفوّق العسكري وبالقدرة على تنفيذ أجندتها… أمّا الخشية فتنبع من استمرار واشنطن بسياسة الضغط على لبنان، مدفوعةً بإصرار إسرائيلي على استخدام القوّة، وهو ما قد يؤدّي إلى الوقوع في المحظور وانفجار الوضع.
يقول دبلوماسي أوروبي إنّ التطوّرات الميدانية لا تدفع إلى الطمأنينة، وإنّما تستدعي التحذير ممّا قد تحمله الأيّام إذا ما استمرّت الضغوط الأميركية على لبنان تحت عنوان نزع سلاح “الحزب”، مقابل اختباء السلطة اللبنانية وراء سياسة التمهّل واستنزاف الوقت والمهل الزمنية المتاحة أمام عهد جوزف عون وحكومة نوّاف سلام.
صار جليّاً في الواقع أنّ الإدارة الأميركية تستخدم أسلوباً حادّاً في مقاربتها للمسألة اللبنانية، بشكل يدفعها إلى إسقاط مقاربتها للملفّ الإيراني على الملفّ اللبناني، أي على قاعدة “التفاوض أو الضرب”. ولهذا تراها غير ممانعة أبداً للخروقات التي تنفّذها إسرائيل بحقّ اتّفاق وقف إطلاق النار، مستخدمةً مقابل العصا جزرة المطالب القاسية.
مقاربة فرنسيّة أكثر ليونة
في المقابل، يميل الفرنسيون إلى مقاربة أكثر حذاقة تستند إلى الهدوء والرويّة في التعاطي مع تعقيدات هذا الملفّ ومنح السلطة اللبنانية الوقت الكافي لكي تنطلق في قطار التطبيق الفعليّ للاتّفاق. ولهذا حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق المعلومات، إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اتّصال أجراه الأوّل بالثاني، خلال زيارة الرئيس اللبناني لباريس، بالتخفيف من حدّة الضغوط على السلطة اللبنانية، خصوصاً أنّ الزيارة تزامنت مع استهداف الضاحية الجنوبية بضربة عسكرية، وقد بدا الأمر بمنزلة رسالة مرمّزة موقّعة بالنار.
يقول الدبلوماسي الأوروبي إنّ الإسرائيلي غير مطمئن للوضع، ولا هو مستعجل لتأليف مجموعات العمل التي طالبت بها أورتاغوس
تفيد المعلومات أنّه على الرغم من المساعي الفرنسية الحثيثة لشرح عدم فاعليّة ممارسة الضغوط وأهميّة الحفاظ على الاستقرار اللبناني الداخليّ، وخصوصيّة البلد بتركيبته الفريدة في المنطقة، لا يزال المزاج الأميركي على حاله من التشدّد… بانتظار ما ستحمله الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس خلال زيارتها المنتظرة لبيروت.
دمّرت غزّة… و”زوال” لبنان
يقول دبلوماسي أوروبي إنّ باريس مقتنعة أنّ الضغط العسكري لا يحقّق دوماً المرجوّ بدليل أنّ الإسرائيليين دمّروا قطاع غزة بشكل كامل ولم ينجحوا في اقتلاع “حماس”. وبهذا المعنى قد يدمّرون لبنان ولن ينجحوا في اقتلاع “الحزب”. وأيضاً لم يمنع الاحتفاط بخمس نقاط حدودية إطلاق صواريخ باتّجاه إسرائيل. بهذا المعنى لا بدّ من البحث في خيارات أخرى.
لكنّ الوضع إلى الآن لا يدعو إلى الطمأنينة، كما يقول دبلوماسي أوروبي، وهذا ما دفع البعض إلى استعادة ما سبق للموفد الفرنسي جان – إيف لودريان أن حذّر منه، وهو زوال لبنان، إذا ما استمرّت الأمور على حالها من التوتّر والتصعيد العسكري، خصوصاً أنّ واشنطن وتل أبيب تجعلان من قضيّة نزع سلاح “الحزب” مسألة محوريّة.
الحزب
في الواقع لا تنبع الخشية من تدهور الوضع من الضغط العسكري الإسرائيلي والتشجيع الأميركي لهذا الضغط فقط، كما يرى الدبلوماسي الأوروبي، بل ومن “تكاسل” السلطة اللبنانية. إذ يكشف أنّه صار على السلطة عتبٌ دوليّ، وأنّ ثمّة خوفاً من أن تمرّ السنة الأولى من عهد جوزف عون بأقلّ إنجازات ممكنة، وهو ما قد يعني الحكم على هذا العهد بشكل سلبي، وإغراقه في مستنقع التعطيل الداخلي المقرون بالضغط الخارجي.
يقول الدبلوماسي الأوروبي إنّ “الحزب” اعتقد بداية أنّه قادر على تطبيقه بطريقة تناسبه ولو أنّ الإسرائيليين قالوا صراحة إنّهم لن يقبلوا تكرار سيناريو 2006
يذكر الدبلوماسي ذاته أنّه مع انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهورية كانت آمال الدول المعنيّة بالملفّ اللبناني والتوقّعات المنتظرة من العهد الجديد كبيرة وضخمة. لكنّ المؤشّرات العمليّة، التي سُجّلت مع انطلاقة العهد وتأليف حكومة نوّاف سلام، لا تحمل على الكثير من التفاؤل. الأزمات كثيرة ومعقّدة، والأداء الرسمي لا يشي بأنّه قادر على المعالجة. يمكن القول إنّ هناك عتباً دوليّاً على السلطة اللبنانية لكي تكون وتيرة عملها أسرع وأكثر فاعليّة. حتّى إنّ الدبلوماسية الفرنسية التي تعمل على تنظيم مؤتمر دعم لبنان، وتسعى مع الوزارات المعنيّة إلى تحضير الأرضيّة اللازمة للمؤتمر، المشروط طبعاً بتنفيذ سلّة إصلاحات لا يمكن تجاوزها، تقرّ بأنّ الوزراء الجدد يغرقون في تفاصيل وزاراتهم شبه المفلسة ويوظّفون كلّ طاقات وزاراتهم لتسيير أبسط الأمور، بشكل يمنعهم من التركيز على الملفّات الإصلاحية الأساسية.
تآكل عهد جوزف عون
فعليّاً، ثمّة قلق دوليّ من أن يؤدّي تآكل عهد جوزف عون مع بلوغ الاستحقاق النيابي في 2026 من دون القدرة على إحداث التغيير في التركيبة السياسية، فيولد برلمان يكون نسخة طبق الأصل عن البرلمان الموجود. هذا مع العلم أنّ التعقيد الذي يسود الملفّ اللبناني هو بالنسبة للدبلوماسي الأوروبي ثنائي الأبعاد: داخليّ وخارجيّ.
ما يرفع منسوب القلق هو الغموض الذي يعتري اتّفاق وقف إطلاق النار، فيجعله حمّال أوجه. يقول الدبلوماسي الأوروبي إنّ “الحزب” اعتقد بداية أنّه قادر على تطبيقه بطريقة تناسبه ولو أنّ الإسرائيليين قالوا صراحة إنّهم لن يقبلوا تكرار سيناريو 2006، وها هم يطبّقونه بطريقة تناسبهم.
مع ذلك، يقول الدبلوماسي الأوروبي إنّ الإسرائيلي غير مطمئن للوضع، ولا هو مستعجل لتأليف مجموعات العمل التي طالبت بها أورتاغوس، لأنّه يفضّل اللجوء إلى القوّة العسكرية.